الصالحي الشامي

43

سبل الهدى والرشاد

ذلك فهي كالحجارة أو أشد قسوة ) [ البقرة : 74 ] ، أي لا تنقص قسوتها عن قسوة الحجارة ، بل إن لم تزد على قسوة الحجارة لم تكن دونها . وهذا المعنى أحسن وألطف وأدق من قول من جعل ( أو ) في هذا الموضع بمعنى بل ، ومن قول من جعلها للشك بالنسبة إلى الرائي ، وقول من جعلها بمعنى الواو فتأمله ، وجزم بذلك ابن كثير . اللباب : ( أدنى أفعل تفضيل ، والمفضل عليه محذوف أو أدنى من قاب قوسين ، فمعنى الآية : ثم دنا جبريل بعد استوائه في الأفق الاعلى من الأرض ، فتدلى ، فنزل إلى محمد صلى الله عليه وسلم ، فكان قاب قوسين أو أدنى بل أدنى . تنبيه : هذا الذي قلناه من المقترب الداني الذي صار بينه وبين محمد صلى الله عليه وسلم قال قوسين أو أدنى ، إنما هو جبريل ، نقله القاضي عن الجمهور . وقال الحافظ عماد الدين بن كثير : إنه هو الصحيح في التفسير ، كما دل عليه كلام أكابر الصحابة . قال ابن القيم : لان جبريل هو الموصوف بما ذكر من أول السورة إلى قوله : ( ولقد رآه نزلة أخرى ، عند سدرة المنتهى ) [ ا لنجم : 13 ، 14 ] هكذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح لعائشة ، قالت عائشة رضي الله عنها : سألت رسول الله عن هذه الآية ، فقال : ( ذاك جبريل لم أره في صورته التي خلق عليها إلا مرتين ) ، رواه مسلم ، ولفظ القرآن لا يدل على غير ذلك من وجوه : الأول : أنه قال : ( علمه شديد القوى ) وهذا جبريل الذي وصفه بالقوة في سورة التكوير . الثاني : أنه قال : ( ذو مرة ) [ النجم : 6 ] أي حسن خلق ، وهو الكريم في سورة التكوير . الثالث : أنه قال : ( فاستوى وهو بالأفق الاعلى ) وهي ناحية السماء العليا وهذا استواء جبريل . الرابع : أنه قال : ( ثم دنا فتدلى ، فكان قاب قوسين أو أدنى ) ، فهذا دنو جبريل ، وقد نزل إلى الأرض حيث كان رسول الله صلى الله عليه وسلم بها . وأما الدنو والتدلي في حديث المعراج فرسول الله صلى الله عليه وسلم كان فوق سبع سماوات . الخامس : أنه قال : ( ولقد رآه نزلة أخرى عند سدرة المنتهى ) . والذي عند السدرة قطعا هو جبريل ، وبهذا فسره النبي صلى الله عليه وسلم ، فقال : ( ذاك جبريل ) . السادس : أن الضمير في قوله : ( ولقد رآه ) ، وقوله : ( دنا فتدلى ) ، وقوله : ( فاستوى ) ، وقوله : ( وهو بالأفق الاعلى ) واحد ، فلا يجوز أن يخالف بين المفسرين من غير دليل .