الصالحي الشامي

412

سبل الهدى والرشاد

تنبيهات الأول : السحر يطلق ويراد به الآلة التي يسحر بها ، ويطلق بها ويراد به فعل الساحر : وتكون الآلة تارة معنى من المعاني فقط كالرقي والنفث في العقد ، وتارة تكون بالمحسوسات . وتارة تجمع الأمرين الحسي والمعنوي وهو أبلغ . الثاني : اختلف في السحر ، فقيل : هو تخييل فقط ولا حقيقة له ، وهو اختيار أبي جعفر الأستراباذي من الشافعية ، وأبي بكر الدارمي من الحنفية ، وابن حزم الظاهري وطائفة . قال النووي : " والصحيح أن للسحر حقيقة ، وبه قطع الجمهور ، وعليه عامة العلماء ، ويدل عليه الكتاب والسنة الصحيحة المشهورة " انتهى . ولكن محل النزاع : هل يقع بالسحر انقلاب عين أو لا ؟ فمن قال إنه تخييل فقط ، منع . وقيل إن له حقيقة . واختلفوا هل له تأثير فقط بحيث يغير المزاج فيكون نوعا من الأمراض ، وينتهي إلى حالة بحيث يصير الجماد حيوانا مثلا وعكسه ؟ فالذي عليه الجمهور ، الأول . وذهبت طائفة قليلة إلى الثاني . فإن كان بالنظر إلى القدرة الإلهية فمسلم به ، وإن كان بالنظر إلى الواقع فهو محل الخلاف ، فإن كثيرا ممن يدعي ذلك لا يستطيع إقامة البرهان عليه . وذكروا قوما أنكروا السحر مطلقا وكأنهم عنوا القائلين بأنه تخييل وإلا فهذه مكابرة . قال المازري : جمهور العلماء على إثبات السحر وأن له حقيقة ، ونفى بعضهم حقيقته وأضاف ما يقع منه إلى خيالات باطلة ، وهو مردود لورود النقل بإثبات السحر ، ولأن العقل لا ينكر أن الله تعالى قد يخرق العادة عند نطق الساحر بكلام ملفق أو تركيب أجسام أو بمزج بين قوى على ترتيب مخصوص ، ونظير ذلك ما يقع من حذاق الأطباء من مزج بعض العقاقير ببعض حتى ينقلب الضار منها بمفردة فيصير بالتركيب نافعا . وقيل : لا يزيد تأثير السحر على ما ذكر الله تعالى في قوله : ( يفرقون به بين المرء وزوجه ) ( 1 ) سورة البقرة ، آية 102 ) لكون المقام مقام تهويل ، فلو جاز أن يقع به أكثر من ذلك لذكره . قال المازري : " والصحيح من جهة العقل أنه يجوز أن يقع به أكثر من ذلك ، والآية ليست نصا في منع الزيادة ولو قلنا إنها ظاهرة في ذلك " . ثم ذكر الفرق بين السحر والمعجزة والكرامة ، وقد ذكرته في أبواب المعجزات . الثالث : قال النووي : " عمل السحر حرام وهو من الكبائر بإجماع ، وقد عده النبي صلى الله عليه وسلم من السبع الموبقات ، ومنه ما يكون كفرا ، ومنه ما لا يكون كفرا بل معصية كبيرة ، فإن كان فيه قول أو بفعل يقتضي الكفر فهو كفر كالتعبد للشياطين أو الكواكب . وأما تعليمه وتعلمه فحرام ، فإن كان فيه ما يقتضي الكفر استتيب منهم ( متعاطيه ) ولا يقتل . فإن تاب قبلت توبته ، وإن لم يكن فيه ما يقتضى الكفر عزر . وعن الإمام مالك : الساحر كافر يقتل ولا يستتاب . بل يتحتم