الصالحي الشامي

39

سبل الهدى والرشاد

ويدل على هذا قوله صلى الله عليه وسلم : ( لا تحل الصدقة لغني ولا لذي مرة سوي ) . رواه الإمام أحمد . الثاني : ذو كمال في العقل وفي الدين جميعا . الثالث : ذو منظر وهيبة عظيمة . الرابع : ذو خلق حسن ) . قلت زاد الماوردي خامسا : ذو غناء . قلت : ولا تنافي بين هذه الأقوال ، فإنه صلى الله عليه وسلم متصف بها . فإن قيل : على قولنا ذو مرة ، قد تقدم بيان كونه شديد القوى ، فكيف تقول قواه شديدة وله قوة ؟ فالجواب من وجهين : أحدهما : أن ذلك لا يحسن إذا كان وصفا بعد وصف ، وأما إذا جاء بدلا فيجوز ، كأنه قال : علمه ذو قوة ، ونزل شديد القوى فليس وصفا له وتقديره ذو قوة عظيمة أو كاملة . الثاني : أن إفراد ( مرة ) بالذكر ربما تكون لبيان أن قواه المشهورة شديدة وله قوة أخرى خصه الله تعالى بها . على أنا نقول المراد ذو شدة وهي غير القوة ، وتقديره علمه من قواه الشديدة ، وفي ذاته أيضا شدة ، فإن الانسان ربما يكون كثير القوة صغير الجثة . وفيه لطيفة وهي أنه تعالى أراد بقوله : ( شديد القوى ) ، أي قوة العلم ، وبقوله : ( ذو مرة ) ، أي شدة في الجسم ، قدم العلمية على الجسمية ، كما قال تعالى : ( وزاده بسطة في العلم والجسم ) [ البقرة : 247 ] ، وتقدم الكلام على ( ذو ) في اسمه صلى الله عليه وسلم ( ذو الوسيلة ) ، فراجعه . الحادي عشر : في الكلام على قوله تعالى : ( فاستوى ، وهو بالأفق الاعلى ) : [ النجم : 6 - 7 ] . اللباب : ( قال مكي : استوى يقع للواحد وأكثر ما يقع من اثنين ولذلك جعل الفراء الضمير لاثنين ) . الماوردي والقرطبي : ( فاستوى ) يعني جبريل أي ارتفع وعلا إلى مكانه في المساء ، بعد أن علم محمدا صلى الله عليه وسلم ، قاله ابن المسيب وابن جبير . وقال الامام : ( إنه المشهور ) ، وقيل ( فاستوى ) أي ظهر في صورته التي خلقه الله تعالى عليها ، لأنه كان يأتي النبي صلى الله عليه وسلم في صورة الآدميين كما كان يأتي إلى الأنبياء ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يريه نفسه التي خلقه الله عليها ، فأراه نفسه مرتين : مرة في الأرض ومرة في السماء ، فأما في الأرض ففي الأفق الاعلى ، وكان النبي صلى الله عليه وسلم بحراء ، فطلع له جبريل من المشرق ، فسد الأرض إلى المغرب ، فخر النبي صلى الله عليه وسلم مغشيا عليه ، فنزل إليه في صورة الآدميين وضمه إلى نفسه وجعل يمسح الغبار عن وجهه ، فلما أفاق النبي صلى الله عليه وسلم قال : ( يا جبريل ما ظننت أن الله تعالى خلق أحدا على مثل هذه الصورة ) . فقال : يا محمد ، إنما نشرت جناحين من أجنحتي وأن لي ستمائة جناح سعة كل جناح ما بين المشرق والمغرب . فقال : ( إن هذا لعظيم ) . فقال له : وما أنا في جنب ما خلقه الله إلا يسيرا ، ولقد خلق الله تعالى إسرافيل له ستمائة جناح ، كل جناح قدر أجنحتي ، وإنه