الصالحي الشامي

344

سبل الهدى والرشاد

عيينة : " فكلم عمهما ، أي الذي كانا في حجره ، أن يبتاعه منهما " ، فقال : " ما تصنع به " ؟ فلم يجد بدا من أن يصدقهما ، فأخبرهما أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أراده ، فقالا : " نحن نعطيه " ، فأعطياه رسول الله صلى الله عليه وسلم فبناه . أخرجه الجندي . وذكر ابن زبالة ، ويحيى ، أن أبا أيوب قال : يا رسول الله أنا أرضيهما ، وذكر ابن عقبة أن أسعد عوضهما عنه نخلا ، قال : وقيل : ابتاعه منهما رسول الله صلى الله عليه وسلم . وطريق الجمع بين ذلك كما أشار إليه الحافظ أنهم لما قالوا : " لا نطلب ثمنه إلا من الله " سأل عمن يختص بملكه منهم ، فعينوا الغلامين ، فابتاعه منهما أو من وليهما إن كانا غير بالغين ، وحينئذ فيحتمل أن الذين قالوا : " لا نطلب ثمنه إلا من الله تحملوا عنه للغلامين بالثمن ، فقد نقل ابن عقبة أن أسعد بن زرارة عوض الغلامين عنه نخلا له في بياضة . وتقدم أن أبا أيوب قال : أنا أرضيهما ، فأرضاهما ، وكذلك معاذ بن عفراء ، فيكون بعد الشراء . ويحتمل أن كلا من أسعد ، وأبي أيوب وابن عفراء أرضى اليتيمين بشئ فنسب ذلك لكل منهم . وقد روى أن اليتيمين امتنعا من قبول عوض ، فيحتمل ذلك على بدء الأمر ، ولكن قال الواقدي : إنه صلى الله عليه وسلم اشتراه من بني عفراء بعشرة دنانير ذهبا دفعها أبو بكر الصديق رضي الله عنه ، فلعله رغب في الخير ، فدفع العشرة مع أولئك ، أو أنه صلى الله عليه وسلم أخذ أولا بعض المربد في بنائه الأول سنة قدومه ، ثم أخذ بعضا آخر لما سبق أنه بناه مرتين وزاد فيه فكان الثمن من مال أبي بكر في إحداهما ومن الآخرين في الأخرى . الرابع : ذكر السيد أن قول النبي صلى الله عليه وسلم لعمار : " تقتلك الفئة الباغية " . كان في البناء الثاني ، لأن البيهقي روى في الدلائل عن أبي عبد الرحمن السلمي أنه سمع عبد الله بن عمرو بن العاص يقال لأبيه عمرو : " قد قتلنا هذا الرجل ، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم فيه ما قال " . قال : " أي رجل " ؟ قال : " عمار بن ياسر ، أما تذكر يوم بنى رسول الله صلى الله عليه وسلم المسجد ، وكنا نحمل لبنة لبنة ، وعمار يحمل لبنتين لبنتين " ؟ فمر على رسول الله صلى الله عليه وسلم ( فقال " تحمل لبنيتن لبنيتن وأنت ترحض ؟ أما إنك ستقتلك الفئة الباغية ، وأنت من أهل الجنة " . فدخل عمرو بن العاص على معاوية : فقال : " قتلنا هذا الرجل ، وقد قال فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما قال " فقال معاوية : " اسكت فوالله ما تزال تدحض ( 1 ) في بولك ، أنحن قتلناه ؟ إنما قتله علي وأصحابه جاؤوا به حتى ألقوه بيننا . قال السمهودي ) : " وهو يقتضي أن هذا القول لعمار كان في البناء الثاني للمسجد ، لأن إسلام عمرو بن العاص كان في السنة الخامسة للهجرة . " .

--> ( 1 ) تدحض : أي تزلق . ويروى بالصاد : أي تبحث فيها برجلك ، انظر النهاية 2 / 105 .