الصالحي الشامي
341
سبل الهدى والرشاد
وربما خطر ببال العوام أن حبسها عنهم ببركة الجوار موجب لحبسها عنهم في الآخرة ، مع اقتراف الأوزار ، فاقتضى الحال البيان بلسان الحال الذي هو أفصح من لسان المقال . والنار مطهرة لأدناس الذنوب وقد كان ( ذلك ) لاستيلاء الروافض حينئذ ( على المسجد النبوي والمدينة ) وكان القاضي والخطيب منهم ، وأساؤوا الأدب كما بسط ذلك ابن حبير في رحلته ، ولذ وجد عقب الحريق على جدران المسجد : لم يحترق حرم النبي صلى لريبة * يخشى عليه وما به من عار لكنها أيدي الروافض لامست * تلك الرسوم فطهرت بالنار ووجد أيضا : قل للروافض بالمدينة ما بكم * لقيادكم للذم كل سفيه ما أصبح الحرم الشريف محرقا * إلا لسبكم الصحابة فيه ولم يسلم من الحريق سوى القبة التي أحدثها الناصر لدين الله لحفظ ذخائر الحرم ، قال المؤرخون : وبقيت سواري المجسد قائمة كأنها جذوع النخل إذا هبت الرياح تتمايل ، وذاب الرصاص من بعض الأساطين فسقطت ووقع السقف الذي كان على أعلى الحجرة الشريفة على سقف بيت رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فوقعا جميعا في الحجرة الشريفة وعلى القبور المقدسة . وفي صبيحة الجمعة عزلوا موضعا للصلاة وكتبوا بذلك للخليفة المستعصم بالله ( أبي أحمد عبد الله ) بن المستنصر بالله ( في شهر رمضان ) ، فوصلت الآلات صحبة الصناع مع ركب العراق في الموسم وابتدئ بالعمارة أول سنة خمس وخمسين وستمائة ، وقصدوا إزالة ما وقع من السقوف على القبور الشريفة ، فلم يجسروا على ذلك . واتفق رأي ( صاحب المدينة يومئذ وهو ) الأمير منيف بن شيحه ( بن هاشم بن قاسم بن مهنئ الحسيني ) مع رأي أكابر الحرم الشريف أن يطالع الإمام المستعصم بالله بذلك فيفعل ما يصل إليه أمره . فأرسلوا بذلك فلم يصل جوابه لاشتغاله وأهل دولته بإزعاج التتار لهم واستيلائهم على أعمال بغداد في تلك السنة . فتركوا الردم على حاله ولم ينزل أحد هناك . زاد المجد اللغوي : ولم يجسر أحد على التعرض لهذه العظيمة التي دون مرامها تزل الأقدم ولا يتأنى من كل أحد بادئ بدئه الدخول فيه والإقدام . ووصلت الآلات من صاحب اليمن ( يومئذ وهو الملك ) المظفر شمس الدين يوسف بن المنصور عمر بن رسول الله . ثم عزل صاحب مصر ، وتولى مكانه مملوك أبيه المظفر سيف الدين قطز المعزي واسمه الحقيقي محمود بن ممدود ، وأمه أخت السلطان جلال الدين خوارزم شاه ، وأبوه ابن عمه ، أسر عند غعلبة التتار ، فبيع بدمشق ، ثم ( انتقل بالبيع إلى ) مصر ،