الصالحي الشامي

272

سبل الهدى والرشاد

وروى البخاري عن البراء رضي الله عنه أنه قال : ( ما رأيت أهل المدينة فرحوا بشئ فرحهم برسول الله صلى الله عليه وسلم ) . وروى ابن ماجة عن أنس رضي الله عنه أنه قال : ( لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة أضاء منها كل شئ ) . وروى ابن أبي خيثمة رضي الله عنه قال : ( شهدت يوم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم المدينة فلم أر يوما أحسن منه ولا أضوأ ) . فلم يمر رسول الله صلى الله عليه وسلم بدار من دور الأنصار إلا قالوا : ( هلم يا رسول الله إلى العز والمنعة والثروة ) . فيقول لهم خيرا ويدعوا أو يقول : ( إنها مأمورة خلوا سبيلها ) ، فمر ببني سالم فقام إليه عتبان - بكسر العين المهملة - ابن مالك ، ونوفل بن عبد الله بن مالك بن العجلان ، وهو آخذ بزمام راحلته ، فقال : ( يا رسول الله انزل فينا فإن فينا العدد والعشيرة والحلقة ، ونحن أصحاب الفضاء والحدائق والدرك ، يا رسول الله قد كان الرجل من العرب يدخل هذه البحرة خائفا فليجأ إلينا فنقول له : ( قوقل حيث شئت ) . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يتبسم ويقول : ( خلوا سبيلها فإنها مأمورة ) ( 1 ) ، فقام إليه عبادة بن الصامت ، وعباس بن عبادة بن نضلة بن مالك بن العجلان ، فجعلا يقولان : ( يا رسول الله انزل فينا ) ، فيقول النبي صلى الله عليه وسلم : ( بارك الله عليكم إنها مأمورة ) . فلما أتى مسجد بني سالم وهو المسجد الذي في الوادي : وادي رانوناء ، أدركته الجمعة هناك فصلاها فيه وكانت أول جمعة صلاها في المدينة ، وقيل إنه كان يصلي الجمعة بمسجد قباء ، وعند ابن سعد أنه صلى معه الجمعة مائة نفس ، ثم أخذ رسول الله صلى الله عليه وسلم عن يمين الطريق ( حتى جاء بنو الحبلى ) ، فأراد أن ينزل على عبد الله بن أبي ( بن سلول ) ، وهو يومئذ سيد الخزرج في أنفسها فقال : اذهب إلى الذين دعوك فأنزل عليهم . فقال سعد بن عبادة : ( لا تجد يا رسول الله في نفسك من قوله ، فقد قدمت علينا والخزرج تريد أن تملكه عليها ، فلما رد الله ذلك بالحق الذي أعطاك شرق بذلك ولكن هذا داري ، ذكره موسى بن عقبة ورزين . قال السيد : ( الذي في الصحيح ذكر سعد بن عبادة لذلك في قصة عيادته صلى الله عليه وسلم له من مرض بعد سكناه بالمدينة ) . قلت : ويحتمل أن سعدا قال ذلك مرتين ، والله أعلم . فمر رسول الله صلى الله عليه وسلم ببني ساعدة فقال له سعد بن عبادة ، والمنذر بن عمرو ، وأبو دجانة : ( هلم يا رسول الله إلى العز والثروة والقوة والجلد ) ، وسعد يقول : ( يا رسول الله ليس من قومي رجل أكثر عذقا ولا فم بئر مني مع الثروة والجلد والعدد فيقول رسول الله صلى الله عليه وسلم : ( يا أبا ثابت خل سبيلها فإنها مأمورة ) . فمضى واعترضه سعد بن الربيع ، وعبد الله بن رواحة ، وبشير بن سعد ، فقالوا : ( يا رسول الله لا تجاوزنا فإنا أهل عدد وثروة وحلقة ) ، قال : ( بارك الله

--> ( 1 ) أخرجه ابن سعد في الطبقات 1 / 1 / 160 .