الصالحي الشامي

245

سبل الهدى والرشاد

فشأنك بها . فدعا بها رسول الله فمسح بيده ضرعها وظهرها وسمى الله عز وجل ودعا لها في شاتها فتفاجت عليه ودرت واجترت ، ودعا بإناء يربض الرهط ( 1 ) فحلب فيه ثجا حتى علاه البهاء - وفي لفظ الثمال - ثم سقاها حتى رويت ثم سقى أصحابه حتى رووا ، ثم شرب صلى الله عليه وسلم آخرهم ، وقال : " ساقي القوم آخرهم شربا " ( 2 ) . ثم حلب فيه ثانية بعد بدء حتى ملأ الإناء ثم غادره عندها . فبايعها وارتحلوا عنها . وروى ابن سعد وأبو نعيم عن أم معبد قالت : " بقيت الشاة التي لمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ضرعها عندنا حتى كان زمان الرمادة وهي سنة ثماني عشرة من الهجرة زمان عمر بن الخطاب رضي الله عنه . وكنا نحلبها صبوحا وغبوقا ، وما في الأرض قليل ولا كثير " . وقال هشام بن حبيش : " أنا رأيت الشاة وإنها لتأدم أم معبد وجميع صرمتها " ، أي أهل ذلك الماء . فقل ما لبثت أن جاء زوجها أبو معبد يسوق أعنزا حيالا ( 3 ) عجافا يتساوكن هزالا مخهن قليل . فلما رأى اللبن عجب فقال : من أين لك هذا اللبن يا أم معبد والشاة عازب ولا حلوب في البيت ؟ قالت : " لا والله إلا أنه مر بنا رجل مبارك من حاله كذا وكذا " . قال : " صفيه لي يا أم معبد " . قالت : " رأيت رجلا ظاهر الوضاءة أبلج الوجه حسن الخلق ، لم تعبه ثجلة ولم تزر به صعلة ، وسيم قسيم ، في عينيه دعج وفي أشفاره وطف وفي صوته صحل - أو قالت صهل - وفي عنقه سطع ، وفي لحيته كثاثة ، أزج أقرن ، إن صمت فعليه الوقار ، وإن تكلم سما وعلاه البهاء ، أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحسنه وأحلاه من قريب ، حلو المنطق فصل لا نزر ولا هذر ، كأن منطقه خرزات نظم يتحدرن ، ربعة لا تشنؤه من طول ، ولا تقتحمه عين من قصر ، غصن بين غصنين ، فهو أنضر الثلاثة منظرا وأحسنهم قدرا ، له رفقاء يحفون به ، إذا قال استمعوا لقوله وإذا أمر تبادروا إلى أمره ، محفود ( 4 ) محشود لا عابس ولا مفند " . فقال أبو معبد : " هذا والله صاحب قريش الذي ذكر لنا من أمره بمكة ما ذكر ولقد هممت أن أصحبه ولأفعلن إن وجدت إلى ذلك سبيلا " . قالت أسماء رضي الله عنها : " لما خرج رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر أتانا نفر من قريش

--> ( 1 ) يربض الرهط : أي يرويهم ويثقلهم حتى يناموا ويمتدوا على الأرض . من ربض في المكان يربض إذا لصق به وأقام ملازما له . انظر النهاية 2 / 184 . ( 2 ) أخرجه أبو داود ( 3725 ) والترمذي ( 1894 ) وابن ماجة ( 3434 ) وأحمد في المسند 4 / 354 والدارمي 2 / 122 والبيهقي في السنن 7 / 28 . ( 3 ) قال ابن الأثير : أي غير حوامل ، حالت تحول حيالا وهي شاء حيال ، وإبل حيال . والواحدة حائل ، وجمعها حول أيضا بالضم ، انظر النهاية 1 / 643 . ( 4 ) المحفود : الذي يخدمه أصحابه ويعظمونه ويسرعون في طاعته . انظر النهاية 1 / 406 .