الصالحي الشامي

240

سبل الهدى والرشاد

فقلت : يا أبت ضع يدك على هذا المال . قالت : فوضع يده عليه . فقال : لا بأس إن كان ترك لكم هذا فقد أحسن ، وفي هذا بلاغ لكم . ولا والله ما ترك لنا شيئا ولكن أردت أن أسكن الشيخ بذلك ) . وفي حديث عند البيهقي أن أبا بكر رضي الله عنه لما خرج هو ورسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار ، جعل أبو بكر يمشي مرة أمام النبي صلى الله عليه وسلم ، ومرة خلفه ومرة عن يمينه ومرة عن شماله ، فسأله رسول الله صلى الله عليه وسلم عن ذلك ، فقال : ( يا رسول الله أذكر الرصد فأكون أمامك وأذكر الطلب فأكون خلفك ، ومرة عن يمينك ، ومرة عن يسارك لامن عليك ، فلما انتهينا إلى فم الغار قال أبو بكر : والذي بعثك بالحق لا تدخله حتى أدخله قبلك ، فإن كان فيه شئ نزل بي قبلك ) . فدخله فجعل يلتمس بيده ، فجعل كلما دخل جحرا قام إلى ثوبه فشقه ثم ألقمه الجحر حتى فعل ذلك بثوبه أجمع : فبقي جحر ) فوضع عقبيه عليه ، ثم دخل رسول الله صلى الله عليه وسلم فجعلت الحيات يلسعن أبا بكر رضي الله عنه وجعلت دموعه تنحدر . وروى ابن أبي شيبة وابن المنذر عن أبي بكر أنهما لما انتهيا إلى الغار إذا جحر فألقمه أبو بكر رجليه . قال : ( يا رسول الله إن كان لدغة أو لسعة كانت بي ) . وروى ابن مردويه عن جندب بن سفيان قال : ( لما انطلق أبو بكر مع رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى الغار قال أبو بكر : يا رسول الله لا تدخل الغار حتى استبرئه . فدخل أبو بكر الغار فأصاب يده شئ فجعل يمسح الدم عن إصبعه ويقول هل أنت ألا إصبع دميت * وفي سبيل الله ما لقيت وفي حديث أنس عند أبي نعيم أن رسول الله صلى الله عليه وسلم لما أصبح قال لأبي بكر ( أين ثوبك ) ؟ فأخبره بالذي صنع فرفع رسول الله صلى الله عليه وسلم يديه فقال : ( اللهم اجعل أبا بكر معي في درجتي في الجنة ) . فأوحى الله إليه : ( قد استجاب الله تعالى لك ) ( 1 ) . وروى ابن سعد وأبو نعيم والبيهقي وابن عساكر عن أبي مصعب المكي قال : ( أدركت أنس بن مالك ، وزيد بن أرقم ، والمغيرة بن شعبة يتحدثون أن النبي صلى الله عليه وسلم ليلة الغار أمر شجرة - وفي رواية عند قاسم بن ثابت : أنبت الله شجرة الراءة ، فنبتت في وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، فسترته ، وبعث الله العنكبوت فنسجت ما بينهما فسترت وجه رسول الله صلى الله عليه وسلم ، وأمر الله حمامتين وحشيتين فوقفتا في فم الغار ، وأقبل فتيان قريش من كل بطن بعصيهم وهراويهم وسيوفهم ، حتى إذا كانوا من النبي صلى الله عليه وسلم على أربعين ذراعا ، جعل بعضهم ينظر في الغار فلم ير إلا حمامتين وحشيتين بفم الغار ، فرجع إلى أصحابه ، فقالوا له : ما لك ؟ قال : رأيت حمامتين وحشيتين فعرفت أنه ليس فيه

--> ( 1 ) أخرجه أبو نعيم في الحلية 1 / 33 وذكره السيوطي في الجامع الكبير ( 9338 ) .