الصالحي الشامي

152

سبل الهدى والرشاد

عليه من التبليغ ، فقد كان في كل مرة عازما على تبليغ ما أمر به ( وقول أبي جعفر إنما كان شافعا ومراجعا ينفي النسخ فإن النسخ قد يكون عن سبب معلوم فشفاعته عليه السلام لأمته كانت سببا للنسخ لا مبطلة لحقيقته ، ولكن المنسوخ ما ذكرنا من حكم التبليغ الواجب عليه قبل النسخ وحكم الصلوات الخمس في خاصته وأما أمته فلم ينسخ عنهم حكم ( إذ ) لا يتصور نسخ الحكم قبل وصوله إلى المأمور به . وهكذا كله أحد الوجهين في الحديث . والوجه الثاني : أن يكون هذا خبرا لا تعبدا وإذا كان خبرا لم يدخله النسخ ، ومعنى الخبر أنه عليه السلام ، أخبره ربه أن على أمته خمسين صلاة ومعناه : أنها خمسون في اللوح المحفوظ ، وكذلك قال في آخر الحديث : هي خمس ، وهي خمسون والحسنة بعشر أمثالها ، فتأوله رسول الله صلى الله عليه وسلم على أنها خمسون بالفضل ، فلم يزل يراجع ربه حتى بين له أنها خمسون في الثوب لا بالعمل . التنبيه الثاني والمائة : قد علم مما سبق جواز نسخ الفعل قبل التمكن من فعله ، وأن ذلك صحيح في حقه صلى الله عليه وسلم ، وغير صحيح بالنسبة لأمته لاستحالة النسخ قبل البلاغ إذ شرط التكليف تمكين المكلف من العلم به ، أي إذا لم يكن العلم به شرطا فإن نسخ التكليف قبل البلاغ يناقض ذلك . وقال ابن دحية : " يصح النسخ في حق الأمة أيضا بأن الإسلام يوجب على كل مسلم الدخول في فروغه وفي شرائع الدين بتفصيلها ، وكل من آمن بالنبي صلى الله عليه وسلم في حياته دخل في الإسلام ، على أن هنالك تكاليف منها ما نزل وبين بكل وجه ، ومنها ما نزل مجملا من وجه ومبينا من وجه ، ومنها ما لم ينزل بعد وسينزل ، والإيمان والالتزام شامل للجميع . فكما يجوز نسخ التكليف بعد أن يبلغ بخصوصية يجوز أيضا قبله . وأكثر القواعد أن ما وجب مجملا ثم بين في وقت الحاجة كالصلاة والزكاة ، لم يقترن بأول وجوبها ذكر أعدادها ولا إعدادها ولا أوقاتها ولا هيئاتها ولا شرائطها ، بل للتكليف بها مستقر مع هذه الإجمالات ، لأن المكلف بالالتزام الأول قد دخل على الالتزامها على ما هي عليه في نفس الأمر . وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم لمن سأله عن الإسلام هو " أن تشهد ألا إله إلا الله وأني رسول الله وتقيم الصلاة والمكتوبة وتؤدي الزكاة المفروضة وتصوم شهر رمضان وتحج البيت ( 1 ) " . فنجز التكليف عليه بهذه القواعد مجملة غير مبينة " . التنبيه الثالث والمائة : قال ابن دحية : " إذا سمعت العلماء يتكلمون على النسخ قبل

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 1 / 114 ( 50 ) ومسلم / 40 ( 7 ، 10 ) .