الصالحي الشامي

150

سبل الهدى والرشاد

والظاهر أن نقص الخمسين إلى خمس ليس من تبديل القول لأنه تبديل تكليف ، وأما بعد الاخبار بالخمس والخمسين فتبديل أخبار . التنبيه الحادي والمائة : قال أبو الخطاب وتبعه ابن المنير : ( جواز النسخ قبل التمكن من الفعل قبل دخول الوقت مذهب أهل السنة خلافا للمعتزلة ، وجرى كل فريق على قاعدته وعقيدته . فعند أهل السنة التكليف على خلاف الاستطاعة جائز ، بل واقع إذ الافعال كلها مخلوقة لله تعالى ، والعبد مطالب بما لا يقدر على إيجاده ولا يتمكن من التأثير في إحرازه ، عملا بقوله تعالى : ( والله خلقكم وما تعملون ) ( الصافات : 96 ) بتقدير أن ( ما ) هنا مصدرية ، والمعتزلة تجعل ( ما ) هنا موصولة وجروا على عقيدتهم في اعتقادهم أن العبد يخلق فعل نفسه ، ويوجد طاعة ربه باستطاعته واختياره ، ولا يسقط التكليف عندهم على خلاف الاستطاعة فلا يتصور النسخ قبل التمكن من الفعل كما تتصور قاعدته . واستدل أهل السنة على جواز النسخ قبل التمكن بأنه وقع . وأي دليل على الجواز أتم من الوقوع ؟ ومثلوا ذلك بقصة الذبيح فإن الله تعالى أمر إبراهيم بذبح ولده ، ثم خفف ذلك ونسخه إلى الفداء قبل أن يمضي زمن يسع الذبح ولا يمكن فيه الفعل . ومن هنا ضاقت على المعتزلة المضايق حتى غالطوا في الحقائق ، واختلفوا في الأجوبة ، فمنهم من قال لم يأمره بالذبح لان ذلك كان في المنام لا في اليقظة ، ولا عقل أضل من عقل من زعم أنه استظهر على نبي في واقعة هو صاحبها وقضى فيها ومنه ظهرت ، وعنه أثرت ، فإن الذبيح قال فيما حكاه الله تعالى وصوبه ( يا أبت افعل ما تؤمر ) ( الصافات : 102 ) ، ونحن نقول إن راوي الحديث أعرف بتأويله وتفسيره ، وأقعد بتبيينه وتنزيله . وحتى لو تعارض تأويلان قدمنا تأويل صاحب الواقعة لأنه أفهم لها . فكيف لا يقدم تأويل الذبيح النبي الذكي المسدد المصوب من رب العالمين على تأويل المبتدع الضال الحائر المسكين ؟ ومنهم من قال : أمر ولكن بالمقدمات : الشد والتل والصرع وتناول ( المدية ) . وهذا من الطراز الأول لتهافت القول ، فإن إبراهيم قال : ( إني أذبحك ) ( الصافات : 102 ) ولم يقل أصرعك ، وأيضا ليست المقدمات ( بلا ) ، ولا سيما في حق إبراهيم عليه السلام الذي علم أن الحال لا ينتهي بغى رالاضطجاع خاصة لما لا يتعنى حينئذ للفداء ، فهذا أحيد عن السنن وجنوح إلى العناد والغبن . ومنهم من قال : ( أمر بالذبح وفعل ، ولكن انقلبت السكين أو لم تقطع ، أو انقلبت العنق حديدا ، وهذا من النمط المردود ، وحاصله النقل بالتقدير وهو الكذب بعينه ، ومنهم من قال : ( ذبح والتحم ) ، وهذه معايرة النقول ومكابرة العقول . وذلك أن الامر لو كان على هذه المثابة