الصالحي الشامي
140
سبل الهدى والرشاد
عن كعب الأحبار قال : ( إن نهر العسل نهر النيل ونهر اللبن نهر دجلة ونهر الخمر نهر الفرات ونهر الماء نهر سيحان ) . التنبيه السبعون : قوله في السدرة : ( يغشاها جراد من ذهب ) . قال البيضاوي : ( ذكر الجراد والفراش وقع على سبيل التمثيل لان من شأن الشجر أن يسقط عليه الجراد وشبهه ، وجعلها من ذهب لصفاء لونها وإضاءتها في نفسها ) . وقال الحافظ : ( ويجوز جعلها من الذهب حقيقة ، ويخلق الله فيها الطيران ، والقدرة صالحة لذلك ) . انتهى . التنبيه الحادي والسبعون : قوله ( فغفر لي ما تقدم من ذنبي وما تأخر ) ، قال شيخ الاسلام تقي الدين السبكي رحمه الله : ( المراد تشريف النبي صلى الله عليه وسلم بهذا الامر ، أي لو كان له ذنوب لغفرت ولم يكن له ذنب البتة ) . وحكى الشيخ رحمه الله في كتابه المحرر ، في الكلام على هذه الآية اثني عشر قولا ، ونقل عن السبكي فساد خمسة منها وبين الشيخ فساد الباقي ، ثم قال : ( أما الأقوال المقبولة ففي الشفا للقاضي قيل إن النبي صلى الله عليه وسلم لما أمر أن يقول : ( وما أدرى ما يفعل بي ولا بكم ) ( الأحقاف : 9 ) سر بذلك الكفار فأنزل الله تعالى : ( ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر ) ( الفتح : 2 ) وأخبر بمال المؤمنين في الآية الأخرى بعدها ، فمقصد الآية أنك مغفور لك غير مؤاخذ بذنب وهذا الأثر رواه ابن المنذر في تفسيره عن ابن عباس رضي الله عنهما ، بدون قوله وأخبر بمال المؤمنين إلى آخره ، وروى الإمام أحمد والترمذي والحاكم نحوه . قال القاضي : قال بعضهم : المغفرة هنا تنزيه من العيوب ، وقال بعض المحققين : المغفرة هنا كناية عن العصمة أي فعصمت فيما تقدم من عمري وفيما تأخر منه ، وهذا القول في غاية الحسن . وقد عد البلغاء من أساليب البلاغة في القرآن أنه يكنى عن التخفيفات بلفظ المغفرة والعفو والتوبة ، كقوله عند نسخ قيام الليل : ( علم أن لن تحصوه فتاب عليكم ) ( المزمل : 20 ) وعند نسخ تقديم الصدقة بين يدي النجوى ( فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم ) ( المجادلة : 13 ) وعند نسخ تحريم الطباع ليلة الصيام : ( فتاب عليكم وعفا عنكم فالآن باشروهن ) ( البقرة : 187 ) . ثم نقل عن السبكي أنه قال : ( قد تأملت هذه الآية بذهني مع ما قبلها وما بعدها فوجدتها لا تحتمل إلا وجها واحدا وهو تشريف النبي صلى الله عليه وسلم ، من غير أن يكون هناك ذنب ، ولكنه أريد أن تستوعب في الآية جميع أنواع النعم من الله تعالى على عباده . وجميع النعم الأخروية شيئان : سلبية وهي غفران الذنوب ، وثبوتية وهي لا تتناهى وقد أشار إليها بقوله : ( ويتم نعمته عليك ) ( البقرة : 187 ) وجميع النعم الدنيوية شيئان : دينية أشار إليها بقوله :