الصالحي الشامي
125
سبل الهدى والرشاد
ومثاله دعاء النبي صلى الله عليه وسلم بالدعوات الثلاث لأمته وهي : ألا يظهر عليهم عدو من غيرهم ، وألا يهلكهم بالسنين ، فأعطيهما ودعا بألا يجعل بأسهم بينهم ، فاستجيب في الاثنتين ولم يتسجب له في الثالثة ، وقيل له : هذا أمر قدرته أي أنفذته ( 1 ) ، فكانت الاثنتان من القدر الذي قدره الله تعالى وقدر ألا ينفذه بسبب الدعاء وكانت دعوته الثالثة من القدر الذي قدره الله تعالى وقدر إنفاذه على كل الأحوال لا يرده راد . وسيأتي لهذا مزيد إيضاح . " فلأجل ما ركب في موسى عليه الصلاة والسلام من اللطف والرحمة بالأمة طمع لعل أن يكون ما اتفق لأمته من القدر الذي قدره الله تعالى وقدر ارتفاعه بسبب الدعاء والتضرع . وهذا وقت يرجى فيه التعطف والإحسان من الله تعالى لأنه وقد أسري فيه بالحبيب ليخلع عليه خلع القرب والفضل العميم ، فطمع الكليم لعل أن يلحق لأمته نصيبا " . وبوجه آخر وهو البشارة للنبي صلى الله عليه وسلم وإدخال السرور عليه يشهد لذلك بكاؤه حين ولى النبي صلى الله عليه وسلم وقبل أن يبعد عند لكي يسمعه ، لأنه لو كان البكاء خاصا بموسى لم يكن ليبكي حتى يبعد عنه النبي صلى الله عليه وسلم فلا يسمعه لأن البكاء والنبي صلى الله عليه وسلم يسمع ، فيه شئ من التهوين عليه . فلما أن كان المراد بذلك ما يصدر عن البشارة له صلى الله عليه وسلم بسبب البكاء بكى والنبي صلى الله عليه وسلم يسمعه ، والبشارة التي يتضمنها البكاء هي قول موسى عليه الصلاة والسلام للذي هو أكثر الأنبياء اتباعا : " إن الذي يدخل الجنة من أمة محمد أكثر ممن يدخلها من أمتي " . " وقد وقع من موسى عليه السلام من العناية بهذه الأمة في أمر الصلاة ما لم يقع لغيره ووقعت الإشارة لذلك في حديث أبي هريرة رضي الله عنه ، موفوعا : ( كان موسى أشدهم علي حين مررت به وخيرهم حين رجعت إليه ) . وفي حديث أبي سعيد : فأقبلت راجعا فمررت بموسى ونعم الصاحب كان لكم ) . التنبيه الرابع والأربعون : قول موسى عليه الصلاة والسلام : ( لان غلاما . . . ) ليس على سبيل النقص بل على سبيل التنويه بقدرة الله وعظيم كرمه ، إذ أعطى نبينا صلى الله عليه وسلم في ذلك السن ما لم يعطه أحدا قبله ممن هو أسن منه . وقال الخطابي : العرب تسمي الرجل المستجمع السن : غلاما ما دامت فيه بقية من القوة ( في الكهولة ) وقال ابن أبي جمرة : العرب إنما يطلقون على المرء غلاما إذا كان سيدا فيهم . فلأجل ما في هذا اللفظ من الاختصاص على غيره من ألفاظ الأفضلية ذكره موسى دون غيره تعظيما للنبي صلى الله عليه وسلم . قال الحافظ : ويظهر أن موسى عليه السلام أشار إلى ما أنعم الله
--> ( 1 ) أخرجه مسلم 4 / 2216 ( 20 - 2890 ) .