الصالحي الشامي

120

سبل الهدى والرشاد

نعمة الله تعالى بذلك أو استبشارا به ، وقد علموا أن بشرا لا يترقى هذا الترقي إلا بإذن الله تعالى وأن جبريل لا يصعد بمن لا يرسل إليه . وقول الخازن : ( من معك ؟ ) يشعر أنهم أحسوا معه برفيق وإلا لكان السؤال : ( أمعك أحد ؟ ) وذلك الاحساس إما بمشاهدة لكون السماء شفافة ، وإما لأمر معنوي بزيادة أنوار ، ولزم من البعث إليه صلى الله عليه وسلم الاذن في إزالة الموانع وفتح أبواب السماء . ولم يتوقف الخازن على أن يوحى إليه بالفتح ، لأنه لزم عنده من البعث الاذن ، وفي قول الخازن : ( مرحبا به ) إلى آخره ما يدل على أن الحاشية إذا فهموا من سيدهم عزما لاكرام وافد أن يبشروه بذلك وإن لم يأذن لهم فيه ، ولا يكون في ذلك إفشاء للسر ، لان الخازن أعلم النبي صلى الله عليه وسلم حال استدعائه أنه استدعاء إكرام وإعظام ، فعجل بالبشرى والفراسة الصادقة عند أهلها وفي محلها يحصل ( بها ) العلم كما يحصله الوحي ، ولم يخاطبه الخازن بصيغة الخطاب فيقول : ( مرحبا بك ) وإنما أراد التحية بصيغة الغيبة ، والسر في ذلك أنه حياه قبل أن يفتح الباب وقبل أن يصدر من النبي صلى الله عليه وسلم خطاب ، ولهذا قال الملك لجبريل : ( ومن معك ؟ ) فخاطبه بصيغة الخطاب ، لان جبريل خاطب الملك ، فارتفع حكم الغيبة بالتخاطب من الجانبين ، ويجوز أن يكون حياه بغير صيغة الخطاب تعظيما له لان هاء الغيبة ربما كانت أفخم من كاف الخطاب . التنبيه الرابع والثلاثون : قول جبريل حين سئل : ( من معه ) فقال : ( محمد ) ، دليل على أن الاسم أرفع من الكنية لأنه أخبر باسمه ولم يخبر بكنيته ، وهو عليه الصلاة والسلام مشهور في العالمين العلوي والسفلي ، فلو ك أنت الكنية أشرف من الاسم لاخبر بها . التنبيه الخامس والثلاثون : قال ابن أبي جمرة : ( استفهام الملائكة ) : ( وقد أرسل إليه ؟ ) دليل على أن أهل العالم العلوي يعرفون رسالته ومكانته لأنهم سألوا عن وقتها : هل جاء ؟ لا عنها ، ولذلك أجابوا بقولهم : ( مرحبا ونعم المجئ جاء ) وكلامهم بهذه الصيغة أدل دليل على ما ذكرناه من معرفتهم بجلالة مكانته وتحقيق رسالته لان هذا أجل ما يكون من حسن الخطاب ، والترفيع على المعروف من عادة العرب . وقد قال العلماء في معنى قوله تعالى : ( لقد رأى من آيات ربه الكبرى ) ( النجم : 18 ) إنه رأى صورة ذاته المباركة في الملكوت فإذا هو عروس المملكة ) . التنبيه السادس والثلاثون : وقع في رواية أنس ومن رواية أبي ذر رضي الله عنهما : ( قلت لجبريل : من هذا ؟ قال : أبوك آدم ) . وظاهره أنه سأل عنه بعد أن قال له آدم : ( مرحبا ) . ورواية مالك بن صعصعة بعكس ذلك ، وهي المعتمدة ، فتحمل هذه عليها ، وليس في رواية أبي ذر ترتيب ، وفي قول آدم : ( مرحبا بالابن الصالح ) ، إشارة إلى افتخاره بأبوته للنبي صلى الله عليه وسلم .