الصالحي الشامي

69

سبل الهدى والرشاد

ذهبها وفضتها وجميع زخرفها وزينتها . ثم وعد باتباع الوحي والقرآن قصور الذهب في الجنة قال صلى الله عليه وسلم : ( جنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما ) وفي التنزيل : ( يطاف عليهم بصحاف من ذهب ) [ الزخرف 71 ] فكأن ذلك الذهب يشعر بالذهب الذي يصير إليه من اتبع الحق والقرآن ، وأوصافه تشعر بأوصاف الحق والقرآن ، ولفظه يشعر بإذهاب الرجس . كما تقدم . فهذه حكم بالغة لمن تأمل ، واعتبار صحيح لمن تدبر . وزاد غيره أن الذهب من جوالب السرور وقال الشاعر : صفراء لا تنزل الأحزان ساحتها * لو مسها حجر مسته سراء ( 1 ) الثالث عشر : قال النووي رحمه الله تعالى : ليس في هذا الخبر ما يوهم جواز استعمال إناء الذهب والفضة لأن هذا فعل الملائكة واستعمالهم ، وليس بلازم أن يكون حكمهم حكمنا ولأنه كان قبل تحريم النبي صلى الله عليه وسلم أواني الذهب والفضة . انتهى . أي لأن التحريم إنما وقع بالمدينة كما نبه عليه الحافظ . الرابع عشر : يؤخذ من غسل قلبه صلى الله عليه وسلم بماء زمزم أنه أفضل المياه وبه جزم الإمام البلقيني قال ابن أبي جمرة : إنما لم يغسل بماء الجنة لما اجتمع في زمزم من كون أصل مائها من الجنة ثم استقر في الأرض ، فأريد بذلك بقاء بركته صلى الله عليه وسلم في الأرض . وقال غيره : لما كان ماء زمزم أصل حياة أبيه إسماعيل صلى الله عليه وسلم وقد ربي عليه ونما عليه قلبه وجسده وصار هو صاحبه وصاحب البلدة المباركة ، ناسب أن يكون ولده الصادق المصدوق كذلك . ولما فيه من الإشارة إلى اختصاصه بذلك بعده فإنه قد صارت الولاية إليه في الفتح فجعل السقاية للعباس وولده وحجابة البيت لعثمان بن شيبة وعقبه إلى يوم القيامة . الخامس عشر : الحكمة في غسل صدره صلى الله عليه وسلم بماء الثلج والبرد هي مع ما فيهما من الصفاء وعدم التكدر بالأجزاء الترابية التي هي محل الأرجاس وعنصر الأكدار ، الإيماء إلى أن الوقت يصفو له صلى الله عليه وسلم ولأمته ويروق بشريعته الغراء وسنته ، والإشارة إلى ثلوج صدره أي انشراحه بالنصر على أعدائه والظفر بهم والإيذان ببرودة قلبه ، أي طمأنينته على أمته بالمغفرة لهم والتجاوز عن سيأتهم . وقال ابن دحية : إنما غسل قلبه صلى الله عليه وسلم بالثلج لما يشعر به الثلج من ثلج اليقين إلى قلبه . وقد كان صلى الله عليه وسلم يقول بين التكبير والقراءة : ( اللهم اغسلني من خطاياي بالثلج والبرد ( 2 ) ) وأراد

--> ( 1 ) البيت لأبي نواس انظر الأغاني 4 / 200 . ( 2 ) أخرجه البخاري 11 / 180 حديث ( 6868 ) ومسلم 4 / 2078 حديث ( 48 - 2705 ) .