الصالحي الشامي
345
سبل الهدى والرشاد
الباب الحادي عشر في امتحانهم إياه بأصياء لا يعرفها إلا نبي قال ابن إسحاق : إن النضر بن الحارث ، وكان من شياطين قريش ، وكان ممن يؤذي رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم . والصواب أنه هلك ببدر وهو مشرك على يدي علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه . فقال : يا معشر قريش والله لقد نزل بكم أمر ما أتيتم له بحلية بعد ، قد كان محمد فيكم غلاما حدثا أرضا كم فيكم وأصدقكم حديثا وأعظمكم أمانة ، حتى إذا رأيتم الشيب في صدغيه وجاءكم بما جاءكم به قلتم : ساحر . ولا والله ما هو بساحر ، وقد رأينا السحرة ونفثهم وعقدهم . وقلتم : كاهن ، لا والله ما هو بكاهن ، قد رأينا الكهنة تخالجهم وسمعنا سجعهم ، وقلتم : شاعر ، لا والله ما هو بشاعر ، لقد روينا الشعر وسمعنا أصنافه كلها هزجه ورجزه . وقلتم : مجنون . لا والله ما هو بمجنون ، لقد رأينا الجنون فما هو بخنقه ولا وسوسته ولا تخليطه ، يا معشر قريش انظروا ما في شأنكم فإنه والله لقد نزل بكم أمر عظيم . وكان النظر قد قدم الحيرة وتعلم بها أحاديث ملوك الفرس ، فكان إذا جلس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم مجلسا فذكر فيه بالله وحذر قومه ما أصاب من قبلهم من الأمم من نقمة الله عز وجل ، خلفه في مجلسه إذا قام ثم قال : أنا والله يا معشر قريش أحسن حديثا منه ، فهلم إلي فأنا أحدثكم أحسن من حديثه . ثم يحدثهم عن ملوك فارس ثم يقول : بماذا محمد أحسن حديثا مني ؟ وما أحاديثه إلا أساطير الأولين اكتتبها كما كتبتها . قال ابن هشام : وهو الذي قال فيما بلغني : سأنزل مثل ما أنزل الله . قال ابن إسحاق : وكان ابن عباس يقول فيما بلغني : إنه أنزل فيه ثماني آيات من القرآن : قوله تعالى : ( إذا تتلى عليه آياتنا قال أساطير الأولين ) [ القلم 15 ] وكل ما ذكره فيه الأساطير من القرآن . فلما قال لهم ذلك النظر بن الحارث بعثوه وبعثوا معه عقبة بن أبي معيط إلى أحبار يهود المدينة وقالوا لهما : اسألاهم عن محمد وصفا لهم صفته وأخبراهم بقوله ، فإنهم أهل الكتاب الأول ، وعندهم علم ما ليس عندنا من علم الأنبياء . فخرجا حتى قدما المدينة فسألا أحبار يهود عن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، ووصفا لهم أمره وأخبراهم ببعض قوله ، وقالا : إنكم أهل التوراة وقد أتيناكم لتخبروا عن صاحبنا هذا . فقالت لهما أحبار يهود : سلوه عن ثلاث نأمركم بهن فإن أخبركم بهن فهو نبي مرسل وإن لم يفعل فالرجل ( متقول ) فروا فيه رأيكم : سلوه عن فتية ذهبوا في الدهر الأول ما كان أمرهم ، فإنه قد كان لهم حديث عجيب ، واسألوه عن رجل طواف قد بلغ مشارق الأرض ومغاربها ما كان