الصالحي الشامي

314

سبل الهدى والرشاد

الباب الرابع في قصة إسلام أبي ذر وأخيه أنيس - رضي الله تعالى عنهما - روى أبو داود الطيالسي والإمام أحمد ومسلم عن عبد الله بن الصامت ، والبخاري عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما ، كلاهما عن أبي ذر ، قال ابن الصامت عنه : قد صليت يا ابن أخي قبل أن ألقى النبي صلى الله عليه وسلم ثلاث سنين . قلت : لمن ؟ قال لله . قلت فأين توجه ؟ قال : حيث يوجهني ربي عز وجل أصلي عشاء حتى إذا كان من آخر الليل ألقيت نفسي كأني خفاء حتى تعلوني الشمس . قال فقال لي أنيس أخي : إن لي حاجة بمكة فاكفني ، فانطلق . ثم جاء . وقال ابن عباس عنه : كنت رجلا من غفار فبلغنا أن رجلا قد خرج بمكة يزعم أنه نبي فقلت لأخي : انطلق إلى هذا الرجل فكلمه وائتني بخبره فانطلق أنيس حتى أتى مكة فراث علي ثم جاء فقلت : ما عندك ؟ فقال والله لقد رأيت رجلا يأمر بخير وينهى عن الشر ، وفي رواية لقد رأيت رجلا بمكة على دينك يزعم أن الله أرسله ورأيته يأمر بمكارم الأخلاق . قلت : فما يقول الناس ؟ قال : يقولون : شاعر كاهن ساحر . وكان أنيس أحد الشعراء . قال أنيس : لقد سمعت قول الكهنة فما هو بقولهم ، ولقد وضعت قوله على أقراء الشعر فلم يلتئم على لسان أحد بعدي أنه شعر ، والله إنه لصادق وإنهم لكاذبون ، قال : فقلت : لم تشفني من الخبر فاكفني حتى أذهب فأنظر . قال : نعم وكن على حذر من أهل مكة فإنهم قد شنفوا له وتجهموه . قال : فحملت شنة لي فيها ماء . وفي رواية : فأخذت جرابا وعصا ثم أقبلت إلى مكة فأتيت المسجد ألتمس رسول الله صلى الله عليه وسلم ولا أعرفه وأكره أن أسأل عنه . وفي رواية ابن الصامت : فتضعفت رجلا منهم فقلت : أين هذا الرجال الذي تدعونه الصابئ ؟ فأشار إلى : فقال : الصابئ الصابئ فمال علي أهل الوادي بكل مدرة وعظم حتى خررت مغشيا علي . قال : فارتفعت حين ارتفعت كأني نصب أحمر ، فأتيت زمزم فغسلت عن الدماء وشربت من مائها ، ولقد لبثت ثلاثين بين ليلة ويوم وما كان لي طعام إلا ماء زمزم ، فسمنت حتى تكسرت عكن بطني وما وجدت على كبدي سخفة جوع . فدخلت بين الكعبة وأستارها فبينا أهل مكة في ليلة قمراء إضحيان إذ ضرب على أصمختهم فما يطوف بالبيت أحد وامرأتان منهم تدعوان إحافا ونائلة فأتتا علي في طوافهما فقلت : أنكحوا إحداهما الأخرى . فما تناهتا عن قولهما ، فأتتا علي فقلت : هن مثل الخشبة . غير أنى لا أكني . فانطلقتا تولولان وتقولان : لو كان هاهنا أحد من أنفارنا . فاستقبلهما رسول الله صلى الله عليه وسلم وأبو بكر وهما هابطتان قالا : ما لكما ؟ قالتا : الصابئ بين الكعبة وأستارها . قالا : ما قال ؟ قالتا : إنه قال لنا كلمة تملأ الفم . وجاء رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى استلم الحجر وطاف بالبيت وهو وصاحبه ، ثم صلى ، فلما