الصالحي الشامي

292

سبل الهدى والرشاد

الباب الخامس عشر في مثله ومثل الأنبياء من قبله روى الإمام أحمد والشيخان والبيهقي عن أبي هريرة ، والإمام أحمد ومسلم عن أبي سعيد الخدري ، والإمام أحمد والشيخان عن جابر بن عبد الله ، والإمام أحمد والترمذي وصححه عن أبي بن كعب رضي الله تعالى عنهم ، أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( إن مثلي ومثل الأنبياء من قبلي كمثل رجل بني بيتا فأحسنه وأجمله وأتمه إلا موضع لبنة في زاوية من زواياه ، فجعل الناس يدخلون ويطوفون ويتعجبون له ويقولون : لولا موضع اللبنة . وفي لفظ : يقولون له : هلا وضعت هذه اللبنة فيتم بنيانك ، فأنا في النبيين موضع تلك اللبنة ، جئت فختمت الأنبياء ) ( 1 ) . قال الحافظ : إن قيل المشبه به واحد والمشبه جماعة ، فكيف صح التشبيه ؟ وجوابه : أنه جعل الأنبياء كلهم كرجل واحد ، لأنه لا يتم ما أراد من التشبيه إلا باعتبار الكل ، وكذلك الدار لا تتم إلا باجتماع البنيان . ويحتمل أن يكون من التشبيه التمثيلي ، وهو أن يؤخذ وصف من أوصاف المشبه بمثله من أحوال المشبه به ، فكأنه شبه الأنبياء وما بعثوا به من إرشاد الناس ببيت أسست قواعده ورفع بنيانه وبقي منه موضع به يتم صلاح ذلك البيت ، فنبينا صلى الله عليه وآله وسلم بعث لتتميم مكارم الأخلاق ، كأنه هو تلك اللبنة التي بها إصلاح ما بقي من الدار . وزعم ابن العربي أن اللبنة المشار إليها كانت في رأس الدار المذكورة ، وأنها لولا وضعها لانقضت تلك الدار . قال : وبهذا يتم المراد من التشبيه المذكور انتهى . وهذا إن كان منقولا فحسن ، وإلا فليس بلازم . نعم ظاهر السياق أن تكون اللبنة في مكان يظهر عدم الكمال في الدار بفقدها ، وقد وقع في رواية همام عند مسلم : ( إلا موضع لبنة في زاوية من زواياها ) فظهر أن المراد أنها مكملة محسنة وإلا لاستلزم أن يكون الأمر بدونها كان ناقصا ، وليس كذلك فإن شريعة كل نبي بالنسبة إليه كاملة ، فالمراد هنا النظر إلى الأكمل بالنسبة إلى شريعة المحمدية ، مع ما تقدم من الشرائع الكاملة .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 5 / 24 ( 3534 ) ومسلم 4 / 1790 ( 23 - 2287 ) .