الصالحي الشامي
281
سبل الهدى والرشاد
فقال بعضهم لبعض : لقد أوتي هذا العبد خيرا ، ما رأينا عبدا قط أوتي مثل ما أوتي ، إن عينيه نائمتان وقلبه يقظان . ثم قال بعضهم لبعض : هلم فلنضرب له مثلا ، فقال بعضهم : اضربوا مثلا ونؤول نحل أو نضرب نحن وتؤولون أنتم . فقال بعضهم : اسمع سمعت أذنك واعقل عقل قلبك ، إن مثلك - وفي لفظ : مثله - كمثل ملك ، وفي لفظ : رجل . وفي لفظ : سيد ابتنى بنيانا حصينا ثم جعل فيه مأدبة وبعث داعيا - وفي لفظ : رسولا - يدعو الناس إلى طعامه وشرابه فمنهم من أجاب الرسول ومنهم من تركه ، فمن أجابه أكل من طعامه وشرب من شرابه ، ومن لم يجبه عذبه عذابا شديدا . أولوها له يفقهها . فقال الآخرون : فأما السيد : فهو رب العالمين . وأما البنيان : فهو الإسلام . والطعام : الجنة . والداعي : محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، فمن أطاع محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقد أطاع الله وكان في الجنة ، ومن عصى محمدا صلى الله عليه وآله وسلم فقد عصى الله وكان في النار ، محمد فرق بين الناس . قال ابن مسعود : ثم إن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم استيقظ قال : ما رأيت يا بن أم عبد ؟ هل سمعت ما قال هؤلاء ؟ قال عبد الله : رأيت كذا وكذا . قال : هل تدري من هم ؟ قلت : الله ورسوله أعلم . قال : المثل الذي ضربوه : الرحمن ، بنى الجنة ودعا إليها عباده ، فمن أجابه دخل الجنة ومن لم يجبه عاقبه وعذبه ، ما خفي علي شئ مما قالوا ، وهم نفر من الملائكة . وروى الشيخان عن أبي هريرة رضي الله تعالى عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال : مثلي ومثل الناس كمثل رجل استوقد نارا فلما أضاءت ما حوله جعل الجنادب والفراش وهذه الدواب التي تقع في النار يقعن فيها وجعل يحجزهن - ويغلبنه فيقعن فيها ، فأنا آخذ بحجزكم عن النار وأنتم تقتحمون فيها ( 1 ) . ولفظ مسلم : ( فذلك مثلي ومثلكم ، أنا آخذ بحجزكم هلم عن النار فتغلبونني تقتحمون فيها ) . وروى الإمام أحمد عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم رأى فيما يرى النائم ملكين فعد أحدهما عند رجليه والآخر عند رأسه ، فقال الذي عند رجليه للذي عند رأسه : اضرب مثل هذا ومثل أمته . فقال : مثل هذا ومثل أمته كمثل قوم سفر انتهوا إلى مفازة فلم يكن معهم من الزاد ما يقطعون به المفازة ولا ما يرجعون به ، فبينما هم كذلك إذ أتاهم رجل في حلة حبرة فقال : أرأيتم إن وردت بكم رياضا معشية وحياضا رواء أتتبعوني ؟ فقالوا : نعم فأوردهم رياضا معشية وحياضا رواءا فأكلوا وشربوا وسمتوا فقال لهم : ألم ألقاكم على تلك الحالة فجعلتم لي أن وردت بكم رياضا معشبة وحياضا رواء أن تتبعوني ؟ قالوا : نعم . فأوردهم
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 4 / 315 كتاب الأنبياء ( 3426 ) ومسلم 4 / 1789 كتاب الفضائل ( 17 - 2284 ) .