الصالحي الشامي

274

سبل الهدى والرشاد

ثم قال الحافظ : ولو لم يكن في ذلك إلا ثبوت الواو العاطفة فإنها دالة على تقدم شئ عطفته ، ودل قوله : ( عن فترة الوحي ) وقوله : ( الملك الذي جاءني بحراء ) على تأخر نزول ( يا أيها المدثر ) عن ( اقرأ ) . ولما خلت رواية يحيى بن أبي كثير عن أبي سلمة عن جابر ، عن هاتين الجملتين أشكل الأمر فجزم من جزم بأن ( أبا أيها المدثر ) أول من نزل . ورواية الزهري هذه الصحيحة ترفع ذلك الإشكال . وقال في التفسير : والمشكل من رواية يحيى قوله : ( جاورت بحراء فلما قضيت جواري نزلت فاستبطنت الوادي فنوديت ) إلى أن قال : ( فرفعت رأسي فإذا هو على العرش في الهواء ، يعني جبريل ، فأتيت خديجة فقلت : دثروني ) ويزيل الإشكال أحد أمرين : إما أن يكون سقط على يحيى أو شيخه من القصة مجئ جبريل بحراء ب‍ ( اقرأ باسم ربك ) ، وسائر ما ذكرته عائشة . وإما أن يكون جاور صلى الله عليه وآله وسلم بحراء شهرا آخر ، ففي مرسل عبيد بن عمير عند البيهقي أنه صلى الله عليه وآله وسلم كان يجاور في كل سنة شهرا وهو رمضان ، وكان ذلك في مدة فترة الوحي ، فعاد إليه جبريل بعد انقضاء جواره . وقال الحافظ أيضا : فكأن من قال من أول ما نزل اقرأ أراد أولية مطلقة ومن قال ( يا أيها المدثر ) أراد بقيد التصريح بالإرسال . وقال الكرماني : استخرج جابر أن أول ما نزل يا أيها المدثر باجتهاده وليس هو من روايته ، والصحيح ما وقع في حديث عائشة . السابع : قال عطاء الخراساني : إن سورة المزمل نزلت قبل سورة المدثر . قال الحافظ : عطاء ضعيف وروايته معضلة . وظاهر الأحاديث الصحيحة تأخر المزمل لأن فيها ذكر قيام الليل وغير ذلك مما تراخى عند ابتداء الوحي ، بخلاف المدثر فإن فيها ( قم فأنذر ) . وقال في موضع آخر : يعرف من اتحاد الحديثين في نزول يا أيها المدثر عقيب قوله : ( دثروني ) و ( زملوني ) أن المراد بزملوني دثروني ، ولا يؤخذ من ذلك نزول يا أيها المزمل حينئذ ، لأن نزول يا أيها المزمل تأخر عن نزول يا أيها المدثر بالاتفاق ، لأن أول يا أيها المدثر الأمر بالإنذار ، وذلك أول ما بعث ، وأول المزمل الأمر بقيام الليل وترتيل القرآن ، فيقتضي تقدم نزول كثير من القرآن قبل ذلك . الثامن : هذا القدر الذي نزل من المدثر فيه محصل ما يتعلق بالرسالة . ففي الآية الأولى المؤانسة بالحالة التي هو عليها من التدثر ، إعلاما بعظم قدره وتقدم في اسمه ( المدثر ) و ( المزمل ) زيادة لذلك . فراجعه .