الصالحي الشامي
266
سبل الهدى والرشاد
إذ حقيقة التشبيه : إلحاق ناقص بكامل ، والمشبه الوحي وهو محمود ، والمشبه به صوت جرس وهو مذموم ، لصحته النهي عنه والتنفير من موافقة ما هو عليه والإعلام بأنه لا تصحبهم الملائكة كما أخرجه مسلم ، فكيف يشبه ما فعله الملك بأمر تنفر منه الملائكة ؟ والجواب : بأنه لا يلزم في التشبيه تساوي المشبه بالمشبه به في الصفات كلها ، بل ولا في أخس وصف له بل يكفي اشتراكهما في صفة ما ، فالمقصود هنا بيان الحس فذكر ما ألف السامعون سماعه تقريبا لأفهامهم ، والحاصل أن الصوت له جهتان : جهة قوة وجهة طنين ، فمن جهة القوة وقع التشبيه ، ومن جهة الصوت وقع التنفير عنه ، وعلل بكونه مزمار الشيطان . قيل : ويحتمل أن يكون النهي وقع بعد السؤال . قال الحافظ : وفيه نظر . قال ابن بطال : وعلى مثل هذه الصفة تتلقى الملائكة الوحي من الله تعالى ، وقال التوربشتي : وهذا الصوت من الوحي تشبيها بما يوحى إلى الملائكة على ما رواه أبو هريرة عن النبي صلى الله عليه وآله وسلم : ( إذا قضى الله في السماء أمرا ضرب الملائكة بأجنحتها خضعانا لقوله ، كأنها سلسلة على صفوان ، فإذا فزع عن قلوبهم قالوا : ماذا قال ربكم . قالوا : الحق وهو العلي الكبير ) . رواه البخاري وغيره . قال القاضي : ما جاء من مثل ذلك يجري على ظاهره وكيفية ذلك وصورته مما لا يعلمه إلا الله تعالى أو من أطلعه الله تعالى على شئ من ذلك من ملائكته ورسله ، وما يتأول هذا ويحيله عن ظاهره إلا ضعيف النظر والإيمان ، إذ جاءت به الشريعة ودلائل العقل لا تحيله انتهى . والصلصلة المذكورة : قيل صوت الملك بالوحي . وقيل صوت حفيف أجنحة الملائكة . قال الخطابي : يريد أنه صوت متدارك يسمعه ولا يثبته أول ما يسمعه حتى يفهمه بعد . قوله : خضعانا - بفتحتين ، وبضم أوله وسكون ثانيه : مصدر بمعنى خاضعين . كأنه : أي القول المسموع . الصفوان : الحجر الأملس . الثالث : الحكمة في تقديم الصلصلة أن يقرع سمعه الوحي فلا يبقى فيه مكان لغيره ، فلما كان الجرس لا تحصل صلصلته إلا بتدارك وقع التشبيه به دون غيره من الآلات . الرابع : دل قوله ( وهو أشده علي ) أن الوحي كله شديد ولكن هذه الصفة أشدها ، وهو