الصالحي الشامي
253
سبل الهدى والرشاد
لهبط به إلى الأرض جملة كسائر الكتب المنزلة قبله ، ولكن الله باين بينه وبينها فجعل له الأمرين : إنزاله جملة ثم إنزاله مفرقا تشريفا للمنزل عليه . ذكر ذلك أبو شامة رحمه الله تعالى . وقال الحكيم الترمذي رحمه الله تعالى : إنزال القرآن جملة واحدة إلى السماء الدنيا تسليما منه للأمة ما كان أبرز لهم من الحظ بمبعث النبي صلى الله عليه وآله وسلم ، وذلك أن بعثته كانت رحمة ، فلما خرجت الرحمة بفتح الباب جاءت بمحمد وبالقرآن . فوضع القرآن ببيت العزة في السماء الدنيا ليدخل في حد الدنيا ، ووضعت النبوة في قلب محمد صلى الله عليه وآله وسلم ، وجاء جبريل بالرسالة ثم الوحي ، كأنه أراد تعالى أن يسلم هذه الرحمة التي كانت حظ هذه الأمة من الله تعالى إلى الأمة . وقال الإمام أبو الحسن السخاوي في ( جمال القرآن ) . في نزول القرآن إلى السماء جملة تكريم بني آدم وتعظيم شأنهم عند الملائكة وتعريفهم عناية الله بهم ورحمته لهم ، ولهذا المعني أمر سبعين ألفا من الملائكة أن تشيع سورة الأنعام ! وزاد سبحانه في هذا المعنى بأن أمر جبريل بإملائه على السفرة الكرام وانساخهم إياه وتلاوتهم له . قال : وفيه أيضا التسوية بين نبينا وبين موسى في إنزال كتابه جملة ، والتفضيل لمحمد صلى الله عليه وآله وسلم في إنزاله عليه منجما ليحفظه . الثاني : قال أبو شامة رحمه الله تعالى : الظاهر أنه نزل جملة إلى السماء الدنيا قبل ظهور نبوته صلى الله عليه وآله وسلم . قال : ويحتمل أن يكون بعدها . قال الشيخ رحمه الله تعالى : والظاهر الثاني وسياق الآثار السابقة عن ابن عباس صريح فيه . وقال الحافظ : قد أخرج أحمد والبيهقي في الشعب عن واثلة بن الأسقع أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قال : ( أنزلت التوراة لست مضين من رمضان ، والإنجيل لثلاث عشرة خلت منه ، والزبور لثمان عشرة خلت منه ، والقرآن لأربع وعشرين خلت منه ) ( 1 ) . وفي رواية : ( وصحف إبراهيم لأول ليلة ) . قال : وهذا الحديث مطابق لقوله تعالى : ( شهر رمضان الذي أنزل فيه القرآن ) [ البقرة 185 ] ولقوله ( إنا أنزلناه في ليلة القدر ) [ القدر 1 ] فيحتمل أن تكون ليلة القدر في تلك السنة كانت تلك الليلة ، فأنزل فيها جملة إلى السماء الدنيا ، ثم أنزل في اليوم الرابع والعشرين إلى الأرض أول ( اقرأ باسم ربك ) .
--> ( 1 ) أخرجه أحمد في المسند 4 / 107 والطبري في التفسير 2 / 84 والبيهقي في الأسماء والصفات ( 234 ) .