الصالحي الشامي

170

سبل الهدى والرشاد

رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم وكان شريفا فتناول حجرا من الكعبة فوثب من يده حتى رجع إلى مكانه فقال : يا معشر قريش لا تدخلوا في بنيانها من كسبكم إلا طيبا لا يدخل فيها مهر بغي ولا بيع ربا ولا مظلمة أحد من الناس . وبعض الناس ينحل هذا الكلام إلى الوليد بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم . ثم إن قريشا تجزأت الكعبة فكان شق الباب لبني عبد مناف وزهرة . وكان ما بين الركن الأسود والركن اليماني لبني مخزوم وقبائل من قريش انضموا إليهم . وكان ظهر الكعبة لبني جمح وبني سهم ، وكان شق الحجر لبني عبد الدار بن قصي ، ولبني أسد بن عبد العزي بن قصي ولبني عدي بن كعب ، وهو الحطيم . فأمروا بالحجارة تجمع وكان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ينقل معهم . روى الشيخان عن جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال : لما بنيت الكعبة ذهب رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم والعباس ينقلان الحجارة فقال العباس للنبي صلى الله عليه وآله وسلم : اجعل إزارك على رقبتك يقيك الحجارة . ففعل وكان ذلك قبل أن يبعث فخر إلى الأرض فطمحت عيناه إلى السماء فقال : إزاري . إزاري . فشده عليه . وفي رواية : فسقط مغشيا عليه فيما رئي بعد عريانا ( 1 ) . وروى عبد الرزاق والطبراني والحاكم عن أبي الطفيل رضي الله تعالى عنه قال : كانت الكعبة في الجاهلية مبنية بالرضم ليس فيها مدر ، وكانت قدر ما تقتحمها العناق ، وكانت ثيابها توضع عليها تسدل سدلا ، وكانت ذات ركنين كهيئة هذه الحلقة فأقبلت سفينة من الروم حتى إذا كانوا قريبا من جدة انكسرت فخرجت قريش لتأخذ خشبها فوجدوا الرومي الذي فيها نجارا ، فقدموا به وبالخشب ليبنوا به البيت فكانوا كلما أرادوا القرب منه لهدمه بدت لهم حية فاتحة فاها ، فبعث الله تعالى طيرا أعظم من النسر فغرز مخالبه فيها فألقاها نحو أجياد ، فهدمت قريش الكعبة وبنوها بحجارة الوادي فرفعوها في السماء عشرين ذراعا ، فبينا النبي صلى الله عليه وآله وسلم يحمل الحجارة من أجياد وعليه نمرة فضاقت عليه النمرة فذهب يضعها على عاتقه فبدت عورته من صغرها فنودي : يا محمد خمر عورتك . فلم ير عريانا بعد ذلك . قال ابن إسحاق : ثم إن الناس هابوا هدمها وفرقوا منه . فقال الوليد بن المغيرة : أنا أبدؤكم في هدمها . فأخذ المعول ثم قام عليها وهو يقول : اللهم لم ترع . ويقال لم نرع ، اللهم لا نريد إلا الخير . ثم هدم من ناحية الركنين ، فتربص الناس تلك الليلة وقالوا : ننختظر فإن أصيب لم نهدم منها شيئا ورددناها كما كانت ، وإن لم يصبه شئ هدمنا فقد رضي الله تعالى ما صنعنا . فأصبح الوليد من ليلته غاديا إلى عمله فهدم وهدم الناس حتى إذا انتهى الهدم بهم إلى

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 3 / 513 ( 1582 ) ومسلم 1 / 268 ( 76 - 340 ) .