الصالحي الشامي
38
سبل الهدى والرشاد
ومنها : ما رواه الإمام أحمد ، والبخاري في ( الأدب ) وأبو عروبة الحراني في ( الأوائل ) والحاكم من طريق ميمون بن مهران - رحمه الله تعالى - قال : رفع لعمر صك محله شعبان فقال : أي شعبان : الماضي ، أو الذي نحن فيه أو الآتي ؟ ضعوا للناس شيئا يعرفونه من التاريخ فقال بعضهم اكتبوا على تاريخ الروم ، فقيل : إنهم يكتبون من عهد ذي القرنين ، فهذا يطول ، وقال بعضهم : اكتبوا على تاريخ الفرس ، فقيل : إن الفرس كلما قام ملك طرح من كان قبله ، فاجتمع رأيهم على أن ينظروا : كم أقام رسول الله - صلى الله عليه وسلم - بالمدينة فوجده عشر سنين ، فكتب التاريخ من هجرة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - . وروى ابن عساكر عن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - قال : أول من كتب التاريخ عمر لسنتين ونصف من خلافته ، فكتب لسنة عشر من المحرم بمشورة علي . وروى ابن أبي خيثمة عن ابن سيرين قال : قدم رجل من اليمن فقال : رأيت شيئا يسمونه التاريخ يكتبون من عام كذا وبشهر كذا ، فقال عمر : هذا حسن فأرخوا ، فلما أجمع على ذلك قال قوم : أرخوا للمولد ، وقال قائل : للمبعث ، وقال قائل : من حين خرج مهاجرا ، وقال آخرون : من حين توفي ، فقال عمر : ( أرخوا من خروجه من مكة إلى المدينة ) . ثم قال : بأي شهر نبدأ ؟ فقال قوم : برجب ، وقال قوم : برمضان فقال عثمان : أرخوا من المحرم ، فإنه شهر حرام ، وهو أول السنة ، ومنصرف الناس من الحج ، قال : فكان ذلك سنة سبع عشرة في ربيع الأول من الهجرة . وروى الحاكم عن سعيد بن المسيب - رحمه الله تعالى - لما جمع عمر الناس سألهم من أي يوم نكتب التاريخ ، فقال علي - رضي الله تعالى عنه - من يوم هاجر النبي - صلى الله عليه وسلم - وترك أرض الشرك ففعله عمر . قال الحافظ - رحمه الله تعالى : واستفدنا من مجموع هذه الآثار أن الذي أشار بالمحرم عمر ، وعثمان وعلي - رضي الله تعالى عنهم . الثالث : وقد أبدى بعضهم بالبداءة بالهجرة مناسبة فقال : كانت القضايا التي اتفقت له ويمكن أن يؤرخ بها أربع : مولده ، ومبعثه ، وهجرته ، ووفاته فرجح عندهم جعلها من الهجرة ، لأن المولد والمبعث لا يخلو واحد منهما من النزاع في تعيين سنته . وأما وقت الوفاة فأعرضوا عنه لما يوقع تذكره من الأسف عليه فانحصر في الهجرة ، وإنما أخروه من ربيع الأول إلى المحرم ، لأن ابتداء العزم على الهجرة كان في المحرم ، إذ البيعة وقعت في أثناء ذي الحجة ، وهي مقدمة الهجرة ، فكان أول هلال استهل بعد البيعة ، والعزم على الهجرة هلال المحرم ، فناسب أن يجعل مبتدأ .