الصالحي الشامي
360
سبل الهدى والرشاد
وقال الإمام العلامة جمال الدين محمود بن جملة : نبينا - صلى الله عليه وسلم - أحياه الله تعالى بعد موته حياة تامة واستمرت تلك الحياة إلى الآن ، وهي مستمرة إلى يوم القيامة ، وليس هذا خاصا به - صلى الله عليه وسلم - بل يشاركه الأنبياء - صلوات الله سلامه عليهم - أجمعين . والدليل عن ذلك أمور كثيرة : أحدها : قوله تعالى : ( ولا تحسبن الذين قتلوا في سبيل الله أمواتا بل أحياء عند ربهم يرزقون ) [ آل عمران : 169 ] فقيل : وجه الدلالة منها من ثلاثة أوجه : الأول : أن الحياة في البرزخ حاصلة لآحاد الأمة من الشهداء ، وللشهداء بذلك مزية على غيرهم ممن ليس بشهيد ، فما لهم أفضل ممن لم يكن له هذه المرتبة ، ولا يكون رتبة أحد من الأمة أعلى درجة من رتبة النبي - صلى الله عليه وسلم - ولا ثوابه أكمل ولا حاله أحسن . الثاني : أن الذين قتلوا في سبيل الله إنما استحقوا هذه الرتبة بالشهادة ، والشهادة حاصلة له - صلى الله عليه وسلم - على أتم الوجود وأكملها ، لأن الشهيد سمي شهيدا إذ الشهادة الموت أو الشهادة لله أو الشهادة على الناس يوم القيامة ، أو لمشاهدة ثواب الله - عز وجل - ، أو لمشاهدة ملائكته ، وهذه الرتبة للنبي - صلى الله عليه وسلم - أكمل من الأمة وأعلاها الشهادة الله تعالى والشهادة على الناس وشهادة النبي - صلى الله عليه وسلم - أسمى وأعظم فإنه - صلى الله عليه وسلم - شهد على الشهداء قال الله تعالى : ( وكذلك جعلناكم أمة وسطا لتكونوا شهداء على الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا ) [ البقرة 143 ] فإن توهم متوهم أن هذا من خصائص القتلى ، فالنبي - صلى الله عليه وسلم - قد حصل له ذلك كما بيناه في باب أن الله تعالى اختار له مع النبوة الشهادة في أبواب الوفاة فراجعه . وقال الحافظ عبد الغني المقدسي الحنبلي : صاحب ( العمدة ) المشهورة في جواب سؤال ما نصه : سألت : - أحسن الله لنا ولك التوفيق لم يحب ويرضى عن صلاة نبينا وسيدنا المصطفى المرتضى سيد الخلق في الآخرة والأولى بإخوانه النبيين والمرسلين ، هل صلى بأجسادهم أم بأرواحهم ، فاعلم - رحمك الله - أن مذهب أهل الحق القائلين بسنة رسول الله - صلى الله عليه وسلم - [ إن الإسراء كان برسول - صلى الله عليه وسلم - ] ( 1 ) بجسده وروح يقظة لا مناما ، فقد ورد به القرآن العزيز وورد به الخبر الصحيح ، قال الله سبحانه وتعالى : ( سبحان الذي أسرى بعبده ليلا من المسجد الحرام ) [ الإسراء 1 ] الآية ، وتواترت الخبار الصحيحة بذلك . قال : فإن ثبت هذا ، فاعلم أن الأنبياء أحياء في قبورهم .
--> ( 1 ) سقط في ب .