الصالحي الشامي
349
سبل الهدى والرشاد
في نزول الرحمة وحصول السعادة بما يحصل فيها من ملازمة حلق الذكر ، لا سيما في عهده - صلى الله عليه وسلم - فيكون مجازا [ بغير أداة ] ، أو المعنى أن العبادة فيها تؤدي إلى الجنة فيكون مجازا أو هو على ظاهره ، وأن المراد أنها روضة حقيقية بأن ينتقل ذلك الموضع بعينه في الآخرة إلى الجنة انتهى . قال : وهذه الأقاويل على ترتيبها هذا في القوة ، وهو محتمل لتقوية الأول والأخير ، والأخير أقواها عندي ، وهذا الذي ذهب إليه ابن النجار ونقله البرهان بن فرحون في ( مناسكه ) عن ابن الجوزي وغيره عن مالك فقال : وقوله : ( ما بين قبري ومنبري روضة من رياض الجنة ) حمله مالك رحمه الله تعالى على ظاهره فنقل عنه ابن الجوزي وغيره أنها روضة من رياض الجنة تنقل إلى الجنة وأنها ليست كسائر الأرض تذهب وتفنى ، ووافقه على ذلك جماعة من العلماء انتهى . ونقله الخطيب بن جملة عن الداودي وصححه ابن الحاج في ( مدخله ) لأن العلماء فهموا من ذلك مزية عظيمة لهذا المحل . وقال الحافظ في موضع آخر بعد أن صدر بالثالث أو أنه على المجاز تكون العبادة فيه نزول إلى دخول العائد روضة الجنة ، وهذا فيه نظر ، إذ لا اختصاص لذلك بتلك البقعة والخبر مسبوق لمزيد شرف تلك البقعة على غيرها ، وجمع الشيخ ابن أبي جمرة بين الثاني والثالث ، ولم يعول على ذكر الأول فقال : الأظهر والله أعلم الجمع بين الوجهين لكل منهما دليل يعضده ، أما الدليل على أن العمل فيها يوجب الجنة فلما جاء في فضل مسجدها في المضاعفة ، ولهذه البقعة زيادة على باقي بقعه . وأما الدليل على كونها بعينها في الجنة فلإخباره - صلى الله عليه وسلم - بأن المنبر على الحوض لم يختلف أحد من العلماء أنه على ظاهره ، وأنه حق محسوس موجود على حوضه ، وقد نقل الخلاف قبل ، ثم قال : تقرر من قواعد الشرع أن البقع المباركة ما فائدة بركتها لنا ، والآخبار بذلك إلا تعميرها بالطاعات . قال : ويحتمل وجها ثالثا وهو أن تلك البقعة نفسها روضة من رياض الجنة الآن ، وتعود روضة في الجنة كما كان ويكون للعامل ، فالعمل فيه درجة في الجنة قال : وهو الأظهر لوجهين : أحدهما : علو منزلته - صلى الله عليه وسلم - وليكون بينه وبين الأبوة الإبراهيمية في هذا أشبه ، وهو أنه لما خص الله الخليل بحوض من الجنة خص الحبيب بالروضة منها انتهى . وهو من النفاسة بمكان ، وفيه حمل اللفظ عنى ظاهره إن لا يقتضي بصرفه عنه ، ولا