الصالحي الشامي

27

سبل الهدى والرشاد

الباب الثالث في بيان ما هو حقه - صلى الله عليه وسلم - سب من الكافر قال القاضي : [ فأما الذمي إذا صرح بسبه أو عرض ، أو استخف بقدره ، أو وصفه بغير الوجه الذي كفر به - فلا خلاف عندنا في قتله إن لم يسلم ، لأنا لم نعطه الذمة أو العهد على هذا ، وهو قول عامة الفقهاء ، إلا أبا حنيفة والثوري وأتباعهما من أهل الكوفة ، فإنهم قالوا : لا يقتل ، ما هو عليه من الشرك أعظم ، ، ولكن يؤدب ويعزر . واستدل بعض شيوخنا على قتله بقوله تعالى : ( وإن نكثوا أيمانهم من بعد عهدهم وطعنوا في دينكم فقاتلوا أئمة الكفر ، إنهم لا أيمان لهم لعلهم ينتهون ) . ويستدل عليه أيضا بقتل النبي صلى الله عليه وسلم - لابن الأشرف وأشباهه ، ولأنا لم نعاهدهم ، ولم نعطعم الذمة على هذا ، ولا يجوز لنا أن نفعل ذلك معهم ، فإذا أتوا ما لم يعطوا عليه العهد ولا الذمة فقد نقضوا ذمتهم ، وصاروا كفارا يقتلون لكفرهم . وأيضا فإن ذمتهم لا تسقط حدود الإسلام عنهم ، من القطع في سرقه أموالهم ، والقتل لمن قتلوه منهم ، وإن كان ذلك حلالا عندهم فكذلك سبهم للنبي صلى الله عليه وسلم يقتلون به . ووردت لأصحابنا ظواهر تقتضي الخلاف إذا ذكره الذمي بالوجه الذي كفر به ، ستقف عليها من الكلام ابن القاسم وابن سحنون بعد . وحكى أبو المصعب الخلاف فيها عن أصحابه المدنيين . واختلفوا إذا سبه ثم أسلم ، فقيل : يسقط إسلامه قتله ، لأن الإسلام يجب ما قبله ، بخلاف المسلم إذا سبه ثم تاب ، لأنا نعلم باطنة الكافر في بغضه له ، وتنقصه بقلبه ، لكنا منعناه من إظهاره ، فلم يزدنا ما أظهره إلا مخالفة للأمر ، ونقضا للعهد ، فإذا رجع عن دينه الأول إلى الإسلام سقط ما قبله ، قال الله تعالى : ( قل للذين كفروا إن ينتهوا يغفر لهم ما قد سلف ) . والمسلم بخلافه ، إذ كان ظننا بباطنه حكم ظاهره ، وخلاف ما بدا منه الآن ، فلم نقبل بعد رجوعه ، ولا استنمنا إلى باطنه ، إذ قد بدت سرائره ، وما ثبت عليه من الأحكام باقية عليه لا يسقطها شئ . وقيل : لا يسقط إسلام الذمي الساب قتله ، لأنه حق للنبي صلى الله عليه وسلم وجب عليه ، لانتهاكه حرمته ، وقصده إلحاق النقيصة والمعرة به ، فلم يكن رجوعه إلى الإسلام بالذي يسقطه ، كما وجب عليه من حقوق المسلمين من قبل إسلامه من قتل وقذف ، وإذا كنا لا نقبل توبة المسلم فإنا لا نقبل توبة الكافر أولى .