الصالحي الشامي
252
سبل الهدى والرشاد
الباب الخامس عشر في وصيته - صلى الله عليه وسلم - الأنصار عند موته روى البخاري والبيهقي عن ابن عباس - رضي الله تعالى عنهما - أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في مرضه الذي مات فيه عاصبا رأسه بعصابة دسماء ملتحفا بملحفة على منكبيه فجلس على المنبر ، فحمد الله وأثني عليه ، وقال : ( أما بعد فإن الناس يكثرون ويقل الأنصار حتى يكونوا في الناس مثل الملح في الطعام ، فمن ولى منكم أمرا يضربه قوما وينفع به آخرين فليقبل من محسنهم ويتجاوز عن مسيئتهم ) وكان آخر مجلس جلسه . وروى البيهقي عن أبي أيوب بن بشير أن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - خرج في مرضه الذي توفي فيه فجلس على المنبر فكان أول ما ذكره بعد حمد الله تعالى والثناء عليه ذكر أصحاب أحد ، فاستغفر لهم ودعا لهم ، ثم قال : ( يا معشر المهاجرين إنكم أصبحتم تزيدون والأنصار على هيئتها لا تزيد ، وإنهم عيبتي التي أويت إليها ، فأكرموا كريمهم ، وتجاوزوا عن مسيئهم ) . وروى البخاري وسيف بن عمر في ( الفتوح ) عن أنس - رضي الله تعالى عنه - أن أبا بكر وعمر كانا يوما بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون فقالا : ما يبكيكم قالوا : ذكرنا مجلس رسول الله - صلى الله عليه وسلم - منا ، فدخل أحدهما على النبي - صلى الله عليه وسلم - فأخبره بذلك - وعند سيف - أن الأنصار لما رأوا رسول الله - صلى الله عليه وسلم - يزداد وجعا طافوا بالمسجد ، فدخل العباس فأعلم النبي - صلى الله عليه وسلم - بمكانهم وإشفاقهم ثم دخل الفضل فأعلمه بمثل ذلك ثم دخل عليه علي بن أبي طالب كذلك ، وخرج النبي - صلى الله عليه وسلم - ، زاد سيف ، : ( متوكئا على علي والفضل والعباس ، أمامهم قد عصب على رأسه حاشية برد - زاد سيف : - يخط الأرض برجله فصعد المنبر ولم يصعده بعد ذلك اليوم - زاد سيف - أنه جلس على أسفل مرقاة منه ، وثار الناس إليه فحمد الله وأثنى عليه - زاد سيف - فقال : أيها الناس بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم قبلكم فمن بعث إليكم فأخلد فيكم ، ألا إني لا حق بربي وإنكم لاحقون به ، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيرا وأوصي المهاجرين فيما بينهم ، فإن الله تعالى يقول : ( والعصر إن الإنسان لفي خسر ) [ العصر 1 ، 2 ] إلى آخرها ، وإن الأمور تجري بإذن الله تعالى ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله فإن الله عزو جل لا يعجل بعجلة أحد ومن غالب الله غلبه ومن خادع الله خدعه ( فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم ) [ محمد 22 ] انتهى . أوصيكم بالأنصار - وزاد سيف - خيرا فإنهم الذين تبوأوا الدار والإيمان من قبلكم ، ألم يشاطروكم في الثمار ، ألم يوسعوا لكم في الديار ، ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم خصاصة ، وقد قضوا الذي عليهم وبقي الذي لهم - زاد سيف - ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل