الصالحي الشامي
23
سبل الهدى والرشاد
الباب الثاني في بيان ما هو في حقه - صلى الله عليه وسلم - سب من المسلم [ اعلم - وفقنا الله وإياك - أن جميع من سب النبي صلى الله عليه وسلم ، أو عابه ، أو ألحق به نقصا في نفسه أو نسبه أو دينه ، أو خصلة من خصاله ، أو عرض به ، أو شبهه بشئ على طريق السب له ، أو الازراء عليه ، أو التصغير لشأنه ، أو الغض منه ، والعيب له ، فهو ساب له ، والحكم فيه حكم الساب ، يقتل كما نبينه ، ولا نستثني فصلا من فصول هذا الباب على هذا المقصد ، ولا نمتري فيه تصريحا كان أو تلويحا . وكذلك من لعنه أو دعا عليه ، أو تمنى مضرة له ، أو نسب إليه ما لا يليق بمنصبه على طريق الذم ، أو عبث في جهته العزيزة بسخف من الكلام وهجر ، ومنكر من القول وزور ، أو عيره بشئ مما جرى من البلاء والمحنة عليه ، أو غمصه ببعض العوارض البشرية الجائزة والمعهودة لديه . وهذا كله إجماع من العلماء وأئمة الفتوى من لدن الصحابة رضوان الله عليهم إلى هلم جرا . وقال أبو بكر بن المنذر : أجمع عوام أهل العلم على أن من سب النبي صلى الله عليه وسلم يقتل ، وممن قال ذلك مالك بن أنس ، والليث ، وأحمد ، وإسحاق ، وهو مذهب الشافعي . قال القاضي أبو الفضل : وهو مقتضى قول أبي بكر الصديق رضي الله عنه ، ولا تقبل توبته عند هؤلاء المذكورين . وبمثله قال أبو حنيفة ، وأصحابه ، والثوري وأهل الكوفة ، والأوزاعي في المسلم ، لكنهم قالوا : هي ردة . روى مثله الوليد بن مسلم عن مالك . وحكي الطبري مثله عن أبي حنيفة وأصحابه فيمن تنقصه صلى الله عليه وسلم ، أو برئ منه أو كذبه . وقال سحنون فيمن سبه : ذلك ردة كالزندقة . وعلى هذا وقع الخلاف في استتابته وتكفيره ، وهل قتله حد أو كفر ، كما سنبينه في الباب الثالث إن شاء الله تعالى ، ولا نعلم خلافا في استباحة دمه بين علماء الأمصار وسلف الأمة ، وقد ذكر غير واحد الإجماع على قتله وتكفيره ، وأشار بعض الظاهرية - وهو أبو محمد علي بن أحمد الفارسي إلى الخلاف في تكفير المستخف به .