الصالحي الشامي

21

سبل الهدى والرشاد

جماع أبواب حكم من سبه أو انتقصه وكذا سائر الأنبياء - صلوات الله سلامه عليهم أجمعين - الباب الأول في ذكر فوائد كالمقدمة للأبواب الآتية [ قال القاضي أبو الفضل رضي الله عنه : قد تقدم من الكتاب والسنة وإجماع الأمة ما يجب من الحقوق للنبي صلى الله عليه وسلم ، وما يتعين له من بر وتوقير ، وتعظيم وإكرام ، وبحسب هذا حرم الله تعالى أذاه في كتابه ، وأجمعت الأمة على قتل متنقصه من المسلمين وسابه ، قال الله تعالى : ( إن الذين يؤذون الله ورسوله لعنهم الله في الدنيا والآخرة وأعد لهم عذابا مهينا ) . وقال تعالى : ( والذين يؤذون رسول الله لهم عذاب أليم ) . وقال الله تعالى : ( وما كان لكم أن تؤذوا رسول الله ولا أن تنكحوا أزواجه من بعده أبدا ، إن ذلكم كان عند الله عظيما ) . وقال تعالى في تحريم التعريض به : ( يا أيها الذين آمنوا لا تقولوا راعنا وقولوا انظرنا واسمعوا وللكافرين عذاب أليم ) . وذلك أن اليهود كانوا يقولون : راعنا يا محمد ، أي أرعنا سمعك ، واسمع منا ، ويعرضون بالكلمة ، يريدون الرعونة ، فنهي الله المؤمنين عن التشبه بهم ، وقطع الذريعة بنهي المؤمنين عنها ، لئلا يتوصل بها الكافر والمنافق إلى سبه والاستهزاء به . وقيل : بل لما فيها من مشاركة اللفظ ، لأنها عند اليهود بمعنى اسمع لا سمعت . وقيل : بل لما فيها من قلة الأدب ، وعدم توقير النبي صلى الله عليه وسلم وتعظيمه ، لأنها في لغة الأنصار بمعني : أرعنا نرعك ، فنهوا عن ذلك ، إذ مضمنه أنهم لا يرعونه إلا برعايته لهم ، وهو - صلى الله عليه وسلم - واجب الرعاية بكل حال ، وهذا هو صلى الله عليه وسلم قد نهى عن التكني بكنيته ، فقال : تسموا باسمي ، ولا تكنوا بكنيتي ، صيانة لنفسه ، وحماية عن أذاه ، إذ كان صلى الله عليه وسلم استجاب لرجل نادى : يا أبا القاسم ، فقال : لم أعنك ، إنما دعوت هذا ، فنهى حينئذ عن التكني بكنيته لئلا يتأذى بإجابة دعوة غيره لمن لم يدعه ، ويجد بذلك المنافقون والمستهزئون ذريعة إلى أذاه والإزراء به ، فينادونه ، فإذا التفت قالوا : إنما أردنا هذا - لسواه - تعنيتا له ، واستخفافا بحقه على عادة المجان والمستهزئين ، فحمى صلى الله عليه وسلم حمى أذاه بكل وجه ، فحمل محققو العلماء نهيه عن هذا على مدة حياته ، وأجازوه بعد وفاته لارتفاع العلة .