الصالحي الشامي
198
سبل الهدى والرشاد
الباب الثالث والأربعون في علاجه - صلى الله عليه وسلم - الإسهال روى الإمام أحمد والشيخان والترمذي والنسائي عن أبي سعيد الخدري - رضي الله تعالى عنه - أن رجلا أتى النبي - صلى الله عليه وسلم - فقال : إن أخي استطلق بطنه فقال : ( اسقه عسلا ) فسقاه ثم جاء فقال : سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا فقال : ( اسقه عسلا ) فسقاه ثم جاء ، فقال : إني سقيته عسلا فلم يزده إلا استطلاقا ، ثم قال في الرابعة فقال : ( اسقه عسلا صدق الله وكذب بطن أخيك ) فسقاه فبرأ ( 1 ) . تنبيه : قال الخطابي : أهل الحجاز يطلقون الكذب في موضع الخطأ ، يقال : كذب سمعك أي : زل فلم يدرك حقيقة ما قيل له ، فمعني كذب بطنه ، أي لم يصلح لقبول الشفاء بل زل عنه . وقال الإمام الرازي : لعله - صلى الله عليه وسلم - علم بنور الوحي أي ذلك العسل سيظهر نفعه بعد ذلك ، فلما لم يظهر نفعه في الحال مع كونه - صلى الله عليه وسلم - كان عالما بأنه سيظهر نفعه بعد ذلك ، كان جاريا مجرى الكذب ، فلهذا أطلق عليه هذا اللفظ ، وقد اعترض بعض الملاحدة ، فقال : إن العسل مسهل فكيف يوصف لمن وقع به الإسهال ؟ وأجيب بأن ذلك جهل من قائله ، بل هو كقوله تعالى : ( بل كذبوا بما لم يحيطوا بعلمه ) [ يونس 39 ] فقد الأطباء على أن المرض الواحد يختلف علاجه باختلاف السن والعادة والزمان والغذاء المألوف والتدبير وقوة الطبيعة ، وعلى أن الإسهال يحدث من أنواع منها الهيضة التي تنشأ عن تخمة ، واتفقوا على أن علاجها بترك الطبيعة وفعلها ، فإن احتاجت إلى مسهل معين أعينت ما دام بالعليل قوة ، فكأن هذا الرجل كان استطلاق بطنه من تخمة أصابته ، فوصف له - صلى الله عليه وسلم - العسل لدفع الفضول المجتمعة في نواحي المعدة والأمعاء لما في العسل من الجلاء ودفع الفضول التي تصيب المعدة من أخلاط لزجة تمنع استقرار الغذاء فيها ، وللمعدة خمل كخمل المنشفة ، فإذا علقت بها الأخلاط اللزجة أفسدتها ، وأفسدت الغذاء الواصل إليها ، فكان دواؤها باستعمال ما يجلو تلك الأخلاط ولا شئ في ذلك مثل العسل ، لا سيما إن مزج بالماء الحار ، وإنما لم يفده في أول مرة ، لأن الدواء يجب أن يكون له مقدار وكمية بحسب الداء إن قصر عنه لم يدفعه بالكلية ، وإن جاوزه أوهى القوة وأحدث ضررا آخر ، فكأنه شرب منه أولا مقدارا لا يفي بمقاومة الداء ، فأمر بمعاودة سقيه ، فلما تكررت الشربات بحسب مادة
--> ( 1 ) أخرجه البخاري 10 / 146 ( 5684 ) .