الصالحي الشامي
17
سبل الهدى والرشاد
وعن أنس ، عنه صلى الله عليه وسلم : إذا أراد الله بعبده الخير عجل له العقوبة في الدنيا ، وإذا أراد الله بعبده الشر أمسك عنه بذنبه حتى يوافي به يوم القيامة . وفي حديث آخر : إذا أحب الله عبدا ابتلاه ليسمع تضرعه . وحكى السمرقندي أن كل من كان أكرم على الله تعالى كان بلاؤه أشد كي يتبين فضله ، ويستوجب الثواب ، كما روي عن لقمان أنه قال : يا بني ، الذهب والفضة يختبران بالنار ، والمؤمن يختبر بالبلاء . وقد حكي أن ابتلا يعقوب بيوسف كان سببه التفاته في صلواته إليه ، ويوسف نائم محبة له . وقيل : بل اجتمع يوما هو وابنه يوسف على أكل حمل مشوي ، وهما يضحكان ، وكان لهم جار يتيم ، فشم ريحه واشتهاه وبكى ، وبكت جدة له عجوز لبكائه ، وبينهما جدار ، ولا علم عند يعقوب وابنه ، فعوقب يعقوب بالبكاء أسفا على يوسف إلى أن سألت حدقتاه ، وابيضت عيناه من الحزن . فلما علم بذلك كان بقية حياته يأمر مناديا ينادي على سطحه : ألا من كان مفطرا فليتغد عند آل يعقوب . وعوقب يوسف بالمحنة التي نص الله عليها . وروي عن الليث أن سبب بلاء أيوب أنه دخل مع أهل قريته على ملكهم ، فكلموه في ظلمه ، وأغلظوا له إلا أيوب ، فإنه رفق به مخافة على زرعه ، فعاقبة الله ببلائه . ومحنة سليمان لما ذكرناه من نيته في كون الحق في جنبه أصهاره ، أو للعمل بالمعصية في داره ، ولا علم عنده . وهذه فائدة شدة المرض والوجع بالنبي صلى الله عليه وسلم ، قالت عائشة : رأيت الوجع على أحد أشد منه على رسول الله صلى الله عليه وسلم . وعن عبد الله : رأيت النبي صلى الله عليه وسلم في مرضه ، يوعك وعكا شديدا ، فقلت : إنك لتوعك وعكا شديدا ! قال : أجل ، إني أوعك كما يوعك رجلان منكم . قلت : ذلك أن الأجر مرتين ، قال : أجل ، ذلك كذلك . وفي حديث أبي سعيد أن رجلا وضع يده على النبي صلى الله عليه وسلم . وقال : والله ما أطيق أضع يدي عليك من شدة حماك . فقال النبي صلى الله عليه وسلم إنا معشر الأنبياء يضاعف لنا البلاء ، إن كان النبي ليبتلي بالقمل حتى يقتله ، وإن كان النبي ليبتلى بالفقر ، وإن كانوا ليفرحون بالبلاء كما تفرحون بالرخاء .