الصالحي الشامي
169
سبل الهدى والرشاد
تنبيهات الأول : العين نظر باستحسان مشوب ، تحل من خبيث الطبع يحصل للمنظور منه ضرر . قال بعضهم : وإنما يحصل ذلك من سم يصل من عين العائن في الهوى إلى بدن المعيون ، ونظير ذلك الحائض تضع يديها في إناء اللبن فيفسد ، ولو وضعتها بعد طهرها لم يفسد ، وأن الصحيح ينظر في عين الأرمد فيرمد ، وينشاب أحد بحضرته فينشاب هو . الثاني : قوله - صلى الله عليه وسلم - العين حق أي : الإصابة بها شئ ثابت موجود ، قال الإمام المازري : أخذ بظاهر الحديث الجمهور ، وأنكره طوائف من المبتدعة لغير معنى ، لأن الشارع أخبر بوقوعه . الثالث : استشكل بعض الناس هذه الإصابة فقال : كيف تعمل العين من بعد حتى يحصل الضرر للمعيون ؟ وأجيب بأن طبائع الناس تختلف ، فقد يكون ذلك من سم يصل من عين العائن في الهوى إلى بدن المعيون ، وقد نقل عن بعض من كان معيانا أنه قال : إذا رأيت شيئا يعجبني وجدت حرارة تخرج من عيني ، ومن ذلك الحائض إذا وضعت يدها في إناء اللبن أفسدته ، ولو وضعتها بعد طهرها لم تفسد . الرابع : قال الإمام المازري : الذي يتمشى على طريقة أهل السنة أن العين إنما تصدر عن نظر العائن بعادة أجراها الله تعالى أن يحدث الضرر عند مقابلة شخص آخر ، خلافا لبعض الأطباء ، يعني القائل بأن العائن يبعث من عينه قوة سمية تنصل بالمعيون فيهلك أو يفسد ، وهو كإصابة السم وقد أجرى الله تعالى العادة بحصول الضرر عندها خلافا للفلاسفة وقد أجرى الله تعالى العادة بوجود كثير من القوى والخواص في الأجسام والأرواح ، كما يحدث لمن ينظر إليه من يحتسمه من الخجل فيرى في وجهه حمرة شديدة لم تكن قبل ذلك ، وكذا الاصفرار عند رؤية من يخافه وكثير من الناس يسقم لمجرد النظر إليه ، ويضعف قواه ، وكل ذلك بواسطة ما خلق الله تعالى في الأرواح من التأثيرات أشد ارتباطا بالعين وليست هي المؤثرة ، وإنما التأثير للروح ، والأرواح مختلفة في طبائعها وكيفياتها الخبيثة وخواصها ، فمنها ما يؤثر في البدن بمجرد الرؤية لخبث تلك الروح وكيفيتها الخبيثة . والحاصل أن التأثير بإرادة الله تعالى ، وخلقه ليس مقصورا على الاتصال الجسماني ، بل تارة يكون به وتارة يكون بالمعاينة ، وأخرى بمجرد الرؤية ، وأخرى بتوجيه الروح . الخامس : قال ابن القيم : والمقصود العلاج النبوي لهذه العلة ، فمن التعوذات والرقى الإكثار من قراءة المعوذتين والفاتحة وآية الكرسي .