الصالحي الشامي
11
سبل الهدى والرشاد
وروى نحوه عمرو بن فائد ، عن الزهري ، قال : نزل جبريل على النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه أن الله يزوجه زينب بنت جحش ، فذلك الذي أخفي في نفسه . ويصحح هذا قول المفسرين في قوله تعالى بعد هذا : ( وكان أمر الله مفعولا ) أي لا بد لك أن تتزوجها . ويوضح هذا أن الله لم يبد من أمره معها غير زواجه لها ، فدل أنه الذي أخفاه صلى الله عليه وسلم مما كان أعلمه به تعالى . وقوله تعالى في القصة : ( ما كان على النبي من حرج فيما فرض الله له سنة الله في الذين خلوا من قبل وكان أمر الله مفعولا ) . فدل أنه لم يكن عليه حرج في الأمر . قال الطبري : ما كان الله ليؤثم نبيه فيما أحل مثال فعله لمن قبله من الرسل ، قال الله تعالى : ( سنة الله في الذين خلوا من قبل ) ، أي : من النبيين فيما أحل لهم ، ولو كان على ما روي في حديث قتادة من وقوعها من قلب النبي صلى الله عليه وسلم عندما أعجبته ، ومحبته طلاق زيد لها لكان فيه أعظم الحرج وما لا يليق به من مد عينيه لما نهي عنه من زهرة الحياة الدنيا ، ولكان هذا نفس الحسد المذموم الذي لا يرضاه ولا يتسم به الأتقياء ، فكيف سيد الأنبياء ؟ . قال القشيري : وهذا إقدام عظيم من قائله ، وقلة معرفة بحق النبي صلى الله عليه وسلم وبفضله . وكيف يقال : رآها فأعجبته وهي بنت عمته ، ولم يزل يراها منذ ولدت ، ولا كان النساء يحتجبن منه صلى الله عليه وسلم ، وهو زوجها لزيد ، وإنما جعل الله طلاق زيد لها ، وتزويج النبي صلى الله عليه وسلم إياها ، لإزالة حرمة التبني ، وإبطال سنته ، كما قال : ( ما كان محمدا أبا أحد من رجالكم ) . وقال : ( لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم ) . ونحوه لابن فورك . وقال أبو الليث السمرقندي : فإن قيل : فما الفائدة في أمر النبي صلى الله عليه وسلم لزيد بإمساكها ؟ فهو أن الله أعلم نبيه أنها زوجته ، فنهاه النبي صلى الله عليه وسلم عن طلاقها ، إذ لم تكن بينهما ألفة ، وأخفى في نفسه ما أعلمه الله به ، فلما طلقها زيد خشي قول الناس : يتزوج امرأة ابنه ، فأمره الله بزواجها ليباح مثل ذلك لأمته ، كما قال تعالى : ( لكيلا يكون على المؤمنين حرج في أزواج أدعيائهم إذا قضوا منهن وطرا ) . وقد قيل : كان أمره لزيد بإمساكها قمعا للشهوة ، وردا للنفس عن هواها . وهذا إذا جوزنا عليه أنه رآها فجأة واستحسنها . ومثل هذا لا نكرة فيه ، لما طبع عليه ابن آدم من استحسانه