الصالحي الشامي
68
سبل الهدى والرشاد
ولامه الحسين على ذلك ، والصواب مع الحسن قالوا : فإن مدة الخلافة التي ذكرها رسول الله صلى الله عليه وسلم انقضت بخلافته ولم يبق إلا الملك ، وقد صان الله تعالى أهل بيته ببركة نبيه صلى الله عليه وسلم قال الدولابي : أقام الحسن - رضي الله تعالى عنه - بالكوفة إلى ربيع الأول سنة إحدى وأربعين ، وقد قتل عبد الرحمن بن ملجم ويقال أنه ضربه بالسيف فقتله ثم سار إلى معاوية ، فالتقيا بمسكن من أرض الكوفة ، واصطلحا وسلم إليه الامر وبايع له لخمس بقين من شهر ربيع الأول في سنة إحدى وأربعين وقيل : إنه صالحه وآخذ منه مائة ألف دينارا وكانت مدة خلافته ستة أشهر وخمسة أيام . وروى الحافظ أبو نعيم وغيره عن الشعبي - رحمه الله تعالى - قال : شهدت خطبه الحسن - رضي الله تعالى عنه - حين سلم الامر إلى معاوية ، قال : فحمد الله ، وأثنى عليه ، ثم قال : أما بعد ، فإن أكيس الكيس التقى وإن أحمق الحمق الفجور ألا وإن هذه الأمور التي اختلفت فيها أنا ومعاوية ، إنما هو لامري فإن كان له أحق فهو بحقه ، وإن كان لي فقد تركته له إرادة اصلاح الأمة وحقن دمائها : ( وإن أدري لعله فتنة لكم ومتاع إلى حين ) ثم نزل . الحادي عشر : في ذكر جوده وزهده في الدنيا وجمل من مكارم أخلاقه ( وتعظيم ) ( 1 ) الصحابة له - رضي الله تعالى عنهم - قال : إني أستحي من الله - عز وجل - أن ألقاه ولم أمش إلى بيته فمشى عشرين حجة إلى مكة من المدينة على رجليه ، وفي رواية : خمس عشرة ماشيا ، وإن النجائب لتقاد معه ولقد قاسم الله تعالى ثلاث مرات ، حتى إنه يعطى الخف ويمسك النعل وخرج من ماله مرتين قال محمد بن سيرين : ربما كان يجيز الواحد بمائة ألف ، واشترى حائطا من قوم من الأنصار بأربعمائة ألف ، ثم إنه بلغه أنهم احتاجوا إلى ما في أيدي الناس ، فرده إليهم ، ولم يقل لسائل قط : لا ، وكان لا يأنس به أحد فيدعه يحتاج إلى غيره ، ورأى غلاما أسود يأكل من رغيف لقمة ، ويطعم كلبا هناك لقمة ، فقال : ما يحملك على هذا ؟ قال : إني أستحي أن آكل ولا أطعمه ، فقال له الحسن : لا تبرح حتى آتيك فذهب إلى سيده فاشتراه واشترى الحائط الذي هو فيه وأعتقه وملكه الحائط ، فقال : الغلام : يا مولاي ، قد وهبت الحائط الذي وهبتني وكان سيدا حليما زاهدا عاقلا فاضلا فصيحا ذا سكينة ، ووقار جوادا يكره الفتن وسفك الدماء ، دعاءه ورعه ، وزهده وحلمه إلى أن ترك الخلافة ، وقال : خشيت أن يجئ يوم القيامة سبعون ألفا أو أقل أو أكثر فنضح أوداجهم دما ، وكان من أحسن الناس وجها وأكرمهم وأجودهم وأطيبهم كلاما ، وأكثرهم حياءا ، وكان أكثر دهره ( صائما ) ( 1 ) ، وكان فعله يسبق قوله في المكارم والجود ، وكان كثير الافضال على إخوانه ، لا يغفل عن أحد منهم ، ولا
--> ( 1 ) في ح وتعليم .