الصالحي الشامي

466

سبل الهدى والرشاد

جماع أبواب الكلام على السهو والنسيان هل يصدر منه أم لا قال القاضي عياض : حدثنا حاتم بن محمد ، حدثنا أبو عبد الله بن الفخار ، حدثنا أبو عيسى ، حدثنا عبيد الله ، حدثنا يحيى ، عن مالك ، عن داود بن الحصين عن أبي سفيان مولي ابن أبي أحمد أنه قال : سمعت أبا هريرة رضي الله تعالى عنه يقول : صلى الله عليه وسلم صلاة العصر ، فسلم في ركعتين ، فقام ذو اليدين ، فقال : يا رسول الله ، أقصرت الصلاة أم نسيت ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : كل ذلك لم يكن . وفي الرواية الأخرى : ما قصرت وما نسيت . . . الحديث بقصته ، فأخبره بنفي الحالتين ، وأنها لم تكن ، وقد كان أحد ذلك كما قال ذو اليدين : قد كان بعض ذلك يا رسول الله . . . قال القاضي : فاعلم - وفقنا الله وإياك - أن للعلماء في ذلك أجوبة ، بعضها بصدد الانصاف ، ومنها ما هو بنية التعسف والاعتساف ، وهأنا أقول : أما على القول بتجويز الوهم والغلط فيما ليس طريقه من القول البلاغ وهو الذي زيفناه من القولين - فلا اعتراض بهذا الحديث وشبهه . وأما على مذهب من يمنع السهو والنسيان في أفعاله جملة ، ويرى أنه في مثل هذا عامد لصورة النسيان ليسن ، فهو صادق في خبره ، لأنه لم ينس ولا قصرت ، ولكنه على هذا القول تعمد هذا الفعل في هذه الصورة لمن اعتراه مثله ، وهو قول مرغوب عنه ونذكره في موضعه . وأما على إحالة السهو عليه في الأقوال وتجويز السهو عليه فيما ليس طريقه القول - كما سنذكره - ففيه أجوبة ، منها : أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر عن اعتقاده وضميره ، أما إنكار القصر فحق وصدق باطنا وظاهرا . وأما النسيان فأخبر - صلى الله عليه وسلم - عن اعتقاده ، وأنه لم ينس في ظنه ، فكأنه قصد الخبر بهذا عن ظنه وإن لم ينطق به ، وهذا صدق أيضا . ووجه ثان : أن قوله : ولم أنس - راجع إلى السلام ، أي إني سلمت قصدا ، وسهوت عن العدد ، أي لم أنسه في نفس السلام ، وهذا محتمل ، وفيه بعد . وجه ثالث - وهو أبعد هما - ما ذهب إليه بعضهم ، وإن احتمله اللفظ من قوله : كل ذلك لم يكن : أي لم يجتمع القصر والنسيان ، بل كان أحدهما . ومفهوم اللفظ خلافه مع الرواية الأخرى الصحيحة ، وهو قوله : ما قصرت الصلاة وما نسيت .