الصالحي الشامي

128

سبل الهدى والرشاد

الله وقي شرها ، وليس فيكم من تقطع الأعناق إليه مثل أبي بكر ، من بايع رجلا من غير مشورة من المسلمين فلا يبايع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا ، وإنه قد كان من خبرنا حين توفى الله نبيه صلى الله عليه وسلم ، أن الأنصار خالفونا واجتمعوا بأسرهم في سقيفة بني ساعدة ، وخالف عنا علي والزبير ومن معهما واجتمع المهاجرون إلى أبي بكر ، فقلت لأبي بكر : يا أبا بكر ، انطلق بنا إلى إخواننا هؤلاء من الأنصار فانطلقنا نريدهم ، فلما دنونا منهم لقينا منهم رجلان صالحان فذكرا ما تمالا عليه القوم فقالا : أين تريدون يا معشر المهاجرين ؟ فقلنا : نريد إخواننا هؤلاء من الأنصار ، فقالا : لا عليكم أن لا تقربوهم ، اقضوا أمركم . فقلت : والله لنأتينهم . فانطلقنا حتى أتيناهم في سقيفة بني ساعدة ، فإذا رجل مزمل بين ظهرانيهم ، فقلت : من هذا ؟ فقالوا : هذا سعد بن عبادة ، فقلت : ماله ؟ قالوا : يوعك . فلما جلسنا قليلا تشهد خطيبهم فأثنى على الله بما هو أهله ، ثم قال : أما بعد فنحن أنصار الله وكتيبة الاسلام ، وأنتم - معشر المهاجرين - رهط ، وقد دفت دافة من قومكم ، فإذا هم يريدون أن يخزلونا من أصلنا وأن يحضنونا من الامر . فلما سكت أردت أن أتكلم - وكنت قد زورت مقالة أعجبتني أريد أن أقدمها بين يدي أبي بكر - وكنت أداري منه بعض الحد ، فلما أردت أن أتكلم قال أبو بكر : على رسلك . فكرهت أن أغضبه ، فتكلم أبو بكر ، فكان هو أحلم مني وأوفر ، والله ما ترك من كلمة أعجبتني في تزويري إلا قال في بديهته مثلها أو أفضل منها حتى سكت . فقال : ما ذكرتم فيكم من خير فأنتم له أهل ، ولن يعرف هذا الامر إلا لهذا الحي من قريش ، هم أوسط العرب نسبا ودارا . وقد رضيت لكم أخذ هذين الرجلين فبايعوا أيهما شئتم - فأخذ بيدي ويد أبي عبيدة بن الجراح وهو جالس بيننا - فلم أكره مما قال غيرها ، كان والله أن أقدم فتضرب عنقي لا يقربني ذلك من إثم أحب إلي من أن أتأمر على قوم فيهم أبو بكر ، اللهم إلا أن تسول إلي نفسي عند الموت شيئا لا أجده الان . فقال قائل من الأنصار : أنا جذيلها المحكك ، وعذيقها المرجب . منا أمير ومنكم أمير يا معشر قريش - فكثر اللغط ، وارتفعت الأصوات ، حتى فرقت من الاختلاف ، فقلت : ابسط يدك يا أبا بكر ، فبسط يده ، فبايعته وبايعه المهاجرون ثم بايعته الأنصار ، ونزونا على سعد بن عبادة فقال قائل منهم : قتلتم سعد بن عبادة ، فقلت : قتل الله سعد بن عبادة . قال عمر : وإنا والله ما وجدنا فيما حضرنا من أمر أقوى من مبايعة أبي بكر ، خشينا إن فارقنا القوم ولم تكن بيعة أن يبايعوا رجلا منهم بعدنا ، فإما بايعناهم على ما لا نرضي وإما نخالفهم فيكون فسادا ، فمن بايع رجلا على غير مشورة من المسلمين فلا يتابع هو ولا الذي بايعه تغرة أن يقتلا " ( 1 ) .

--> ( 1 ) أخرجه البخاري 2 / 148 ، 149 ( 6830 ) .