الصالحي الشامي
مقدمة المحقق 6
سبل الهدى والرشاد
ومشتهرة حادثة الفيل تلك التي واكبت مولد النبي صلى الله عليه وسلم وغير ذلك ، ذلك المولد الذي كانت ثمرة الالتقاء القصير بين عبد الله بن عبد المطلب ، وآمنة بنت وهب ومما يمتاز به هذا الكتاب ، جمع آراء الأئمة في مصير أبوي النبي صلى الله عليه وسلم وتفصيل أدلة كل فريق بما يرنو على أربعين صحيفة . وكان مولده صلى الله عليه وسلم في التاسع أو الثاني عشر شهر ربيع الأول ( 20 إبريل 571 م ) ، وقد أقيمت مكتبة في المكان الذي ولد فيه - عليه السلام - ويؤمها كثير من الحجاج ليعيشوا في رياض المكان الذي شهد مولد المصطفى صلى الله عليه وسلم ذلك الصفي يتيم الأبوين الذي مات أبواه فكفله جده ، ومن بعد جده عمه . فيما يتصل برضاعه وقد ذكروا أن أول من أرضعته من المراضع - بعد أمه صلى الله عليه وسلم - ثويبة مولاة أبي لهب ، وكان ذلك بلبن ابن لها يقال له : مسروح ، وكانت قد أرضعت قبله حمزة بن عبد المطلب ، وأرضعت بعده أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي . وكانت السيدة حليمة بنت أبي ذؤيب السعدية - أم رسول الله من الرضاعة - تذكر أنها خرجت في طلب مرضع مع زوج ، وابن لها صغير ترضعه ، مع جملة من نساء ينتسبن لبني سعد بن بكر ، لطلب الرضعاء في سنة تذكر أنها كانت سنة جدب وقحط ، على أتان لها ومعها ناقة كبيرة السن قد جف ضرعها من شدة القحط وقحط السنة ، وكان صوت صبيها يتعالى من بكائه من شدة الجوع وخواء ثديها مما يرويه ، وجفاف ضرع ناقتها ، وذلك المركب الذي امتطوه يتباطأ بهم عن السير ، لما يجده من الجوع . ذلك حال أم النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الرضاعة ، تصفه بنفسها عندما جاءت لتطلب الرضعاء ، وتذكر هذه السيدة أنه ما منهن امرأة إلا وقد عرض عليها رسول الله صلى الله عليه وسلم فتأباه ، إذا قيل لها : إنه يتيم ، نظرا لما كن يؤملنه من نوال والد الصبي ، فذلك عائد المطلوب لهن ، فكن يقلن : يتيم ، وما عسى أن تصنع أمه وجده ؟ فكرهن الرضى به لذلك ، وحظيت نسوة بني سعد برضعاء ، خلا السيدة حليمة ، فكرهت السيدة حليمة الرجوع من بين صواحبها ، فعادت إلى تلك الصبي اليتيم ، بعد ما كانت قد أجمعت على الانطلاق ، فقال لها زوجها : لا عليك أن تفعلي عسى الله أن يجعل لنا فيه بركة ! فذهبت إليه فأخذته ، وما حملها على أخذه سوى عدم وجود غيره ، فأخذته ورجعت به إلى رحلها ، ووضعته في حجرها ، فأقبل على ثديها ، فشرب حتى روي وشرب معه أخوه حتى روي ، ثم ناما ، ولعلك تذكر أن صوت أخيه كان يتعالى بالبكاء ، فيطرد من أجفان والديه النوم . وأعجب من ذلك أنها نهضت لناقتها تلك التي كان ضرعها جافا في مقدمها لطلب الرضعاء ، فإذا بهذا الضرع يدر اللبن ، فشربت وزوجها حتى انتهيا وقد صدرا عن الضرع ريا وشبعا وباتا بخير ليلة .