الصالحي الشامي

مقدمة المحقق 38

سبل الهدى والرشاد

يعد عند الأكثرين من تضييع الأوقات ، لأن المعارف عندهم خرافات ، فإنا قد انتهينا إلى زمان يرون الأدب عيبا ، ويعدون التضلع من الفنون ذنبا ، وإلى الله الحنان المشتكي من هذا الزمان ، قد سل سيف بغيه وعدوانه ، على من تحلى بالفضائل وتقدم على أقرانه ، وأوفق نبله لكل ذي نبل ظاهر وشرف باهر ، فالتبس الدر بالزجاج ، واشتبه العذب بالأجاج ، وضاع أرباب الألباب كالذباب في الضباب ، فصارت المعارف طيف خيال ، أو ضيفا على شرف ارتحال ، وضعف أساس العلم وبنيانه ، وتضعضعت أركانه ، وخمدت ناره ، وكادت أن تمحى آثاره : وكان سرير العلم صريحا ممردا * يناغي القباب السبع وهي عظام متينا رفيعا لا يطار غرابه * عزيزا منيعا لا يكاد يرام يلوح سنا برق الهدى من بروحه * كبرق بدا بين السحاب يشام فجرت عليها الرامسات ذيولها * فخرت عروش منه ثم دعام محا الذاريات اليوم آيات حسنه * فلم يبق منه آية ووسام وممن شكا حال العلوم الفلسفية في هذا القرن الحكيم داود الأنطاكي صاحب التذكرة في الطب ، وكان قد نزل بمصر فقال فيها : ثم لم ألبث أن هبطت مصر هبوط آدم من الجنة ، لما وجدتها كما قال أبو الطيب ملاعب جنة ، فكأنها مغاني الشعب ، وأنا المعني فيها بقوله : ولكن الفتى العربي فيها * غريب الوجه واليد واللسان تنبو عن قبول الحكمة فيها طباع الرجال ، نبو قيناتهم الحسان لحى شيب القذال ، ثم تمثل : ما مقامي بأرض نخلة إلا * كمقام المسيح بين اليهود أنا في أمة تداركها الله * غريب كصالح في ثمود وقد طعن أهل مصر في عقيدته لاشتغاله بعلوم الفلسفة ، فلما كثر كلام الناس في اعتقاده ارتحل منها إلى مكة . وبهذا ازداد العلم هوانا في هذا القرن أمام جهله المتصوفة . المؤلف والكتاب اسمه وكنيته وهو شمس الدين أبو عبد الله محمد بن يوسف الصالحي الشامي . قال الشعراني في ذيل طبقاته . * " كان عالما صالحا مفننا في العلوم ، وألف السيرة النبوية التي جمعها من ألف