الصالحي الشامي
مقدمة المحقق 15
سبل الهدى والرشاد
الصادقة في النوم ، وكان لا يرى رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح ، ثم حبب إليه الخلاء فكان يخلو بغار حراء فيتحنث فيه - وهو التعبد - الليالي ذوات العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزود لذلك ، ثم يرجع إلى خديجة فيتزود لمثلها حتى جاءه الحق وهو في غار حراء . فجاءه الملك فقال اقرأ . فقال : ما أنا بقارئ . قال : فأخذني فغطني حتى بلغ مني الجهد ثم أرسلني ، فقال : اقرأ ، فقلت : ما أنا بقارئ فأخذني فغطني الثالثة حتى بلغ مني الجهد ، ثم أرسلني فقال : ( اقرأ بسم ربك الذي خلق خلق الإنسان من علق إقرأ وربك الأكرم الذي علم بالقلم علم الإنسان ما لم يعلم ) فرجع بها رسول الله صلى الله عليه وسلم يرجف فؤاده فدخل على خديجة بنت خويلد فقال : " زملوني زملوني ، فزملوه حتى ذهب عنه الروع ، فقال لخديجة - وأخبرها الخبر - لقد خشيت على نفسي . فقالت خديجة : كلا والله لا يخزيك الله أبدا ، إنك لتصل الرحم وتقري الضيف . وتحمل الكل ، وتكسب المعدوم ، وتعين على نوائب الحق ، فانطلقت به خديجة حتى أتت ورقة بن نوفل بن أسد بن عبد العزى ابن عم خديجة ، وكان أمرا قد تنصر في الجاهلية وكان يكتب الكتاب العبراني فيكتب من الإنجيل بالعبرانية ما شاء الله أن يكتب . وكان شيخا كبيرا قد عمي . فقالت له خديجة : يا ابن عم ! سمع من ابن أخيك فقال له ورقة : يا ابن أخي ماذا ترى فأخبره رسول الله صلى الله عليه وسلم خبر ما رأى . فقال له ورقة : هذا الناموس الذي كان ينزل على موسى ، يا ليتني فيها جدعا ، ليتني أكون حيا إذ يخرجك قومك . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " أو مخرجي هم ؟ " فقال : نعم . لم يأت أحد بمثل ما جئت به إلا عودي وإن يدركني يومك أنصرك نصرا مؤزرا . ثم لم ينشب ورقة أن توفي وفتر الوحي فترة . حتى حزن رسول الله صلى الله عليه وسلم : - فيما بلغنا - حزنا غدا منه مرارا كي يتردى من رؤوس شواهق الجبال فكلما أوفى بذروة جبل لكي يلقي نفسه تبدى له جبريل فقال : يا محمد إنك رسول الله حقا فيسكن لذلك جأشه ، وتقر نفسه فيرجع فإذا طالت عليه فترة الوحي غدا كمثل ذلك . قال فإذا أوفى بذروة جبل تبدى له جبريل فقال له مثل ذلك . هكذا وقع مطولا في باب التعبير من البخاري . قال ابن شهاب : وأخبرني أبو سلمة عبد الرحمن أن جابر بن عبد الله الأنصاري قال - وهو يحدث عن فترة الوحي - فقال في حديثه : " بينا أنا أمشي إذ سمعت صوتا من السماء فرفعت بصري فإذا الملك الذي جاءني بحراء جالس على كرسي بين السماء والأرض . فرعبت منه . فرجعت فقلت : زملوني ، زملوني فأنزل الله : ( يا أيها المدثر ، قم فأنذر ، وربك فكبر ، وثيابك فطهر ، والرجس فاهجر ) فحمي الوحي وتتابع ، ثم قال البخاري تابعه عبد الله بن يوسف ، وأبو صالح ، يعني عن الليث ، وتابعه هلال بن داود عن الزهري ، وقال يونس ومعمر : - بوادره - وهذا الحديث قد رواه الإمام البخاري رحمه الله في كتابه في مواضع منه .