الصالحي الشامي

مقدمة المحقق 9

سبل الهدى والرشاد

فرغ القوم من طعامهم وتفرقوا قام إليه بحيرى وقال له يا : غلام أسألك بحق اللات والعزى إلا أخبرتني عما أسألك عنه . وإنما قال له بحيرى ذلك لأنه سمع قومه يحلفون بهما ، فزعموا أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال له : لا تسألني باللات والعزى شيئا . فوالله ما أبغضت شيئا قط بغضهما . فقال له بحيرى : فبالله إلا ما أخبرتني عما أسألك عنه ؟ فقال له سلني عما بدا لك . فجعل يسأله عن أشياء من حاله ونومه وهيئته وأموره . فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يخبره فوافق ذلك ما عند بحيرى من صفته . ثم نظر إلى ظهره فرأى خاتم النبوة بين كتفيه موضعه من صفته التي عنده ، فلما فرغ أقبل على عمه أبو طالب فقال ما هذا الغلام منك ؟ قال ابني قال بحيرى ما هو بابنك وما ينبغي لهذا الغلام أن يكون أبوه حيا ، قال فإنه ابن أخي . قال فما فعل أبوه ؟ قال مات وأمه حبلى به قال صدقت ارجع بابن أخيك إلى بلده واحذر عليه اليهود . فوالله لئن رأوه وعرفوا منه ما عرفت ليبغنه شرا ، فإنه كائن لابن أخيك هذا شأن عظيم فأسرع به إلى بلاده ، فخرج به عمه أبو طالب سريعا حتى أقدمه مكة حين فرغ من تجارته بالشام . في هذا الوقت اشتد حرص أبي طالب على محمد صلى الله عليه وسلم . زواجه من خديجة كان عند زواجه منها في الخامسة وعشرين من عمره ، لما اشتهر عندها من أمره وصدقه وأمانته ، حيث كانت تستأجر الرجال في مالها ، وتضاربهم إياه بشئ يجعله لهم ، وكانت قريش قوما تجارا ، فلما بلغها عن رسول الله ما بلغها من صدق حديثه ، وعظم أمانته ، وكرم أخلاقه بعثت إليه فعرضت عليه أن يخرج في مال لها إلى الشام تاجرا ، وتعطيه أفضل ما كانت تعطي غيره من التجار ، فقبل رسول الله وخرج في مالها ، وخرج معه غلامها ميسرة حتى قدم الشام ، ثم باع سلعته التي خرج بها واشترى ما أراد أن يشتري ثم أقبل قافلا إلى مكة ، ومعه ميسرة ، فلما قدم على خديجة بمالها باعت ما جاء به ، فأضعف ، وبلغها من ميسرة من سيرة محمد صلى الله عليه وسلم بما ترتب عليه أن بعثت إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم فقالت : يا ابن عمي إني قد رغبت فيك لقرابتك وشرفك في قومك وأمانتك وصدق حديثك ، ثم عرضت عليه الزواج منها ، وكانت حينئذ أوسط نساء قريش نسبا ، وأعظمهن شرفا ، وأكثرهن مالا ، كل قومها كان حريصا على الزواج منها لو يقدر عليه ، فلما قالت ذلك لرسول الله صلى الله عليه وسلم ذكره لأعمامه وخطبها وتزوجها وكان صداقها عشرين بكرة ، وكانت أول امرأة تزوجها ولم يتزوج عليها غيرها حتى ماتت رضي الله عنها . وقد ولدت لرسول الله أولاده كلهم - إلا إبراهيم والقاسم - وبه كان يكنى صلى الله عليه وسلم والطاهر والطيب ورقية وزينب وأم كلثوم وفاطمة ، أما القاسم والطيب والطاهر فهلكوا في الجاهلية ،