الآلوسي

81

تفسير الآلوسي

يكون في موضع نصب نعتا لمصدر من * ( آتينا ) * محذوف أي آتيناك سبعا من المثاني إيتاء كما أنزلنا وهو في معنى أنزلنا عليك ذلك أنزالا كإنزالنا على أهل الكتاب . * ( الَّذِينَ جَعَلُواْ الْقُرْءَانَ عِضِينَ ) * . * ( الَّذينَ جَعَلُوا الْقُرْءَانَ عضينَ ) * أي قسموه إلى حق وباطل حيث قالوا عناداً وعداوة : بعضه حق موافق للتوراة والإنجيل وبعضه باطل مخالف لهما ، وتفسير * ( المقتسمين ) * المذكورين بأهل الكتاب مما روي عن الحسن . وغيره ، وفي " الدر المنثور " أخرج البخاري . وسعيد بن منصور . والحاكم . وابن مردويه من طرق عن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما أنه قال في الآية : هم أهل الكتاب جزءوه أجزاءً فآمنوا ببعضه وكفروا ببعضه ، وجاء ذلك مرفوعاً أيضاً ، فقد أخرج الطبراني في الأوسط عن الحبر قال : " سأل رجل رسول الله صلى الله عليه وسلم قال : أرأيت قول الله تعالى : * ( كما أنزلنا على المقتسمين ) * ( الحجر : 90 ) قال عليه الصلاة والسلام : اليهود والنصارى قال : * ( الذين جعلوا القرآن عضين ) * ( الحجر : 91 ) ما عضين ؟ قال صلى الله عليه وسلم : آمنوا ببعض وكفروا ببعض " أو اقتسموه لأنفسهم استهزاءً به ؛ فقد روي عن عكرمة أن بعضهم كان يقول : سورة البقرة لي وبعضهم سورة آل عمران لي وهكذا ، وجوز أن يراد بالمقتسمين أهل الكتاب ويراد من القرآن معناه اللغوي أي المقروء من كتبهم أي الذين اقتسموا ما قرؤا من كتبهم وحرفوه وأقروا ببعض وكذبوا ببعض ، وحمل توسط قوله تعالى : * ( لا تمدن عينيك ) * ( الحجر : 88 ) الخ بين المتعلق والمتعلق على إمداد ما هو المراد بالكلام من التسلية . وتعقب القول بهذا التعلق بأنه جل هذا المقام عن التشبيه فلقد أوتي صلى الله عليه وسلم ما لم يؤت أحد قبله ولا بعده مثله ، وفي حمل القرآن على معناه اللغوي ما فيه ، وقيل : هو متعلق بقوله تعالى : * ( وقل إني أنا النذير المبين ) * لأنه في قوة الأمر بالإنذار كأنه قيل : أنذر قريشاً مثل ما أنزلنا من العذاب على المقتسمين يعني اليهود وهو ما جرى على قريظة . والنضير بأن جعل المتوقع كالواقع وقد وقع كذلك . وتعقب بأن المشبه به العذاب المنذر ينبغي أن يكون معلوماً حال النزول وهذا ليس كذلك فيلغو التشبيه ، وتنزيل المتوقع منزلة الواقع له موقع جليل من الإعجاز لكن إذا صادف مقاماً يقتضيه كما في قوله تعالى : * ( إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً ) * ( الفتح : 1 ) ونظائره ، على أن تخصيص الاقتسام باليهود بمجرد اختصاص العذاب المذكور بهم مع شركتهم للنصارى في الاقتسام المتفرع على الموافقة والمخالفة ، وفي الاقتسام بمعنى التحريف الشامل للكتابين بل تخصيص العذاب المذكور بهم مع كونه من نتائج الاقتسام تخصيص من غير مخصص ، وجوز أن يراد بالمقتسمين جماعة من قريش وهي اثنا عشر ، وقال ابن السائب : ستة عشر رجلاً حنظلة بن أبي سفيان . وعتبة . وشيبة ابنا ربيعة . والوليد بن المغيرة وأبو جهل . والعاص بن هشام . وأبو قيس بن الوليد . وقيس بن الفاكه . وزهير بن أمية . وهلال عبد الأسود . والسائب بن صيفي . والنضر بن الحرث . وأبو البختري بن هشام . وزمعة بن الحجاج . وأمية بن خلف . وأوس بن المغيرة أرسلهم الوليد بن المغيرة أيام الموسم ليقفوا على مداخل طرق مكة لينفروا الناس عن الإيمان برسول الله صلى الله عليه وسلم فانقسموا على هاتيك المداخل يقول بعضهم : لا تغتروا بالخارج فإنه ساحر ، ويقول الآخر : كذاب ، والآخر : شاعر إلى غير ذلك من هذيانهم فأهلكهم الله تعالى يوم بدر وقبله بآفات ، ويجعل * ( الذين ) * منصوباً - بالنذير - على أنه مفعوله الأول و * ( كما ) * مفعوله الثاني أي أنذر المعضين الذين يجزؤن القرآن إلى سحر وشعر وأساطير مثل ما أنزلنا على المقتسمين الذين اقتسموا مداخل مكة وهذواً مثل هذيانهم .