الآلوسي
74
تفسير الآلوسي
* ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ مُشْرِقِينَ ) * . * ( فَأَخَذَتْهُمُ الصَّيْحَةُ ) * يعني صيحة هائلة ، والتعريف للجنس ، وقيل : صيحة جبريل عليه السلام فالتعريف للعهد ؛ وقال الإمام : ليس في الآية دلالة على هذا التعيين فإن ثبت بدليل قوي قيل به . وأخرج ابن المنذر عن ابن جريج أنه قال في الآية : الصيحة مثل الصاعقة فكل شيء أهلك به قوم فهو صاعقة وصيحة * ( مُشْرقينَ ) * داخلين في وقت شروق الشمس ، قال المدقق : والجمع بين - مصبحين ومشرقين - باعتبار الابتداء والانتهاء بأن يكون ابتداء العذاب عند الصبح وانتهاؤه عند الشروق ؛ وأخذ الصيحة قهرها إياهم وتمكنها منهم ، ومنه الأخيذ الأسير ، ولك أن تقول : * ( مقطوع ) * بمعنى يقطع عما قريب انتهى ، وقيل : * ( مشرقين ) * حال مقدرة . * ( فَجَعَلْنَا عَالِيَهَا سَافِلَهَا وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهِمْ حِجَارَةً مِّن سِجِّيلٍ ) * . * ( فَجَعَلْنَا عَاليَهَا ) * أي المدينة كما هو الظاهر . وجوز رجوعه إلى القرى وان لم يسبق ذكرها والمراد بعاليها وجه الأرض وما عليه وهو المفعول الأول لجعل و * ( سَافَلَها ) * الثاني له ، وقد تقدم الكلام في ذلك * ( وَأَمْطَرْنَا عَلَيْهمْ ) * في تضاعيف ذلك * ( حجَارَةً ) * كائنة * ( منْ سجِّيل ) * من طين متحجر وهو في المشهور معرب سنك كل ، وذهب أبو عبيد وطائفة إلى أنه عربي وأنه يقال فيه * ( سجين ) * بالنون واحتجوا بقول تميم بن مقبل : ضربا تواصى به الأبطال سجينا وهو كما ترى . وسئل الأصمعي عن معناه في البيت فقال : لا أفسره إذ كنت أسمع وأنا حدث - سخينا - بالخاء المعجمة أي سخنا وسجين بالجيم أيضاً ، وقيل : هو مأخوذ من السجل وهو الكتاب أي من طين كتب عليه أسماؤهم أو كتب الله تعذيبهم به ، وقد مر الكلام في ذلك أيضاً . * ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَاتٍ لِلْمُتَوَسِّمِينَ ) * . * ( إنَّ في ذالكَ ) * أي فيما ذكر من القصة * ( لآيَات ) * لعلامات يستدل بها على حقيقة الحق * ( للْمُتَوسِّمينَ ) * قال ابن عباس : للناظرين ، وقال جعفر بن محمد رضي الله تعالى عنهما : للمتفرسين ، وقال مجاهد : للمعتبرين ، وقيل غير ذلك وهي معان متقاربة . وفي البحر التوسم تفعل من الوسم وهو العلامة التي يستدل بها على مطلوب ، وقال ثعلب : التوسم النظر من القرن إلى القدم واستقصاء وجوه التعريف ، قال الشاعر : أو كلما وردت عكاظ قبيلة * بعثوا إلى عريفهم يتوسم وذكر أن أصله التثبت والتفكر مأخوذ من الوسم وهو التأثير بحديدة محماة في جلد البعير أو غيره ، ويقال : توسمت فيه خيراً أي ظهرت علاماته لي منه ، قال عبد الله بن رواحة في رسول الله صلى الله عليه وسلم : إني توسمت فيك الخير أعرفه * والله يعلم أني ثابت البصر والجار والمجرور في موضع الصفة * ( لآيات ) * أو متعلق به ، وهذه الآية - على ما قال الجلال السيوطي - أصل في الفراسة ، فقد أخرج الترمذي من حديث أبي سعيد مرفوعاً " اتقوا فراسة المؤمن فإنه ينظر بنور الله تعالى " ثم قرأ الآية وكان بعض المالكية يحكم بالفراسة في الأحكام جرياً على طريق إياس بن معاوية . * ( وَإِنَّهَا لَبِسَبِيلٍ مُّقِيمٍ ) * . * ( وَإنَّهَا ) * أي المدينة المهلكة وقيل القرى * ( لَبسبيل مُّقيم ) * أي طريق ثابت يسلكه الناس ويرون آثارها وقيل : الضمير للآيات ، وقيل : للحجارة ، وقيل : للصيحة أي وإن الصيحة صد لمن يعمل عملهم لقوله تعالى : * ( وما هي من الظالمين ببعيد ) * ( هود : 83 ) و * ( مقيم ) * قيل * ( إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِلْمُؤْمِنِينَ ) * . * ( إنَّ في ذالكَ ) * أي فيما ذكر من المدينة أو القرى أو في كونها بمرأى من الناس يشاهدونها عند مرورهم عليها * ( لآيَةً ) * عظيمة * ( للْمُؤْمنينَ ) * بالله تعالى ورسوله صلى الله عليه وسلم فإنهم