الآلوسي
55
تفسير الآلوسي
قطع أطماع عبيده جل وعلا بهذه الآية فمن رفع بعد هذا حاجة إلى غيره تعالى شأنه فهو جاهل ملوم ، وكان الجنيد قدس سره إذا قرأ هذه الآية يقول فأين تذهبون ؟ ويقال : خزائنه تعالى في الأرض قلوب العارفين وفيها جواهر الأسرار ، ومنهم من قال : النفوس خزائن التوفيق والقلوب خزائن التحقيق والألسنة خزائن الذكر إلى غير ذلك * ( وأرسلنا ) * على القلوب * ( الرياح ) * النفحات الإلهية * ( لواقح ) * بالحكم والمعارف ، قال ابن عطاء : رياح العناية تلقح الثبات على الطاعات ورياح الكريم تلقح في القلوب معرفة المنعم ورياح التوكل تلقح في النفوس الثقة بالله تعالى والاعتماد عليه ، وكل من هذه الرياح تظهر في الأبدان زيادة وفي القلوب زيادة وشقى من حرمها * ( فأنزلنا من السماء ) * أي سماء الروح * ( ماء ) * من العلوم الحقيقية * ( فأسقيناكموه ) * وأحييناكم به * ( وما أنتم له ) * أي لذلك الماء * ( بخازنين ) * ( الحجر : 22 ) لخلوكم عن العلوم قبل أن نعلمكم * ( وإنا لنحن نحيي ) * القلوب بماء العلم والمشاهدة * ( ونميت ) * النفوس بالجد والمجاهدة ، وقيل : نحيي بالعلم ونميت بالإفناء في الوحدة ؛ وقيل : نحيي بمشاهدتنا قلوب المطيعين من موت الفراق ونميت نفوس المريدين بالخوف منا وقهر عظمتنا عن حياة الشهوات ، وقال الواسطي : نحيي من نشاء بنا ونميت من نشاء عنا ، وقال الوراق : نحيي القلوب بنور الايمان ونميت النفوس باتباع الشيطان ؛ وقيل وقيل : * ( ونحن الوارثون ) * ( الحجر : 23 ) للوجود والباقون بعد الفناء * ( ولقد علمنا المستقدمين منكم ) * وهم المشتاقون الطالبون للتقدم * ( ولقد علمنا المستأخرين ) * ( الحجر : 24 ) وهم المنجذبون إلى عالم الحس باستيلاء صفات النفس الطالبون للتأخر عن عالم القدس وروضات الأنس ، ومن هنا قال ابن عطاء : من القلوب قلوب همتها مرتفعة عن الأدناء والنظر إلى الأكوان ومنها ما هي مربوطة بها مقترنة بنجاستها لا تنفك عنها طرفة عين ، وقيل : المستقدمين الطالبون كشف أنوار الجمال والجلال والمستأخرين أهل الرسوم الطالبون للحظوظ والاعراض ، وقيل : الأولون هم أرباب الصحو الذين يتسارعون إذا دعوا إلى الطاعة والآخرون سكارى التوحيد والمعرفة والمحبة ، وقيل : الأولون هم الآخذون بالعزائم والآخرون هم الآخذون بالرخص ، وقيل : غير ذلك * ( وإذ قال ربك للملائكة إني خالق بشراً من صلصال من حمأ مسنون ) * ( الحجر : 28 ) فيه إشارة إلى عظم شأن آدم عليه السلام حيث أخبر سبحانه بخلقه قبل أن يخلقه ، وسماء بشراً لأنه جل شأنه باشر خلقه بيديه ، ولم يثن سبحانه اليد لأحد الإله ، وهو النسخة الإلهية الجامعة لصفات الجمال والجلال * ( فإذا سويته ونفخت فيه من روحي فقعوا له ساجدين ) * ( الحجر : 29 ) أضاف سبحانه الروح إلى نسه تشريفاً لها وتعظيماً لقدرها لماأنها سر خفي من أسراره جل وعلا ، ولذا قيل : من عرف نفسه عرف ربه ، وعلق تبارك شأنه الأمر بالسجود بالتسوية والنفخ لما أن أنوار الأسماء والصفات وسناء سبحات الذات إنما تظهر إذ ذاك ، ولذا لما تم الأمر وجلدت النسخة فظهرت أنوار الحق وقرئت سطور الأسرار استصغروا أنفسهم * ( فسجد الملائكة كلهم أجمعون ) * ( الحجر : 30 ) إلا إبليس لما أعمى الله تعالى عينه عن مشاهدة ما شاهدوه * ( أبى أن يكون من الساجدين ) * ( الحجر : 31 ) ولو شاهد ذلك لسجد كما سجدوا * ( قال لم أكن لأسجد لبشر خلقته من صلصال من حمأ مسنون ) * غلط اللعين في زعمه أنه خير من آدم عليه السلام ولم يخطر في باله أيضاً أن المحب الصادق يمتثل أمر محبوبه كيف كان ، ومن هنا قيل : لو قال تيها قف على جمر الغضى * لوقفت ممتثلاً ولم أتوقف وقال بعض أهل الوحدة : إن الملعون ظن أنه مستحكم في توحيده حيث لم يسجد لغيره تعالى ، وقد أخطأ