الآلوسي

51

تفسير الآلوسي

كان تفضلاً منه سبحانه إلا أنه شبه بالحق الواجب لتأكد ثبوته وتحقق وقوعه بمقتضى وعده جل وعلا فنجيء - بعلي - لذلك أو إلى ما تضمنه * ( المخلصين ) * بالكسر من الإخلاص على معنى أنه طريق يؤدي إلى الوصول إلى من غير إعوجاج وضلال وهو على نحو طريقك على إذا انتهى المرور عليه ، وإيثار حرف الاستعلاء على حرف الانتهاء لتأكيد الاستقامة والشهادة باستعلاء من ثبت عليه فهو أدل على التمكن من الوصول ، وهو تمثيل فلا استعلاء لشيء عليه سبحانه وتعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وليست * ( علي ) * فيه بمعنى إلى . نعم أخرج ابن جرير عن الحسن أنه فسرها بها ، وأخرج عن زياد بن أبي مريم . وعبد الله بن كثير أنهما قرآ * ( هذا صراط مستقيم ) * وقالا : * ( على ) * هي إلى وبمنزلتها والأمر في ذلك سهل ، وهي متعلقة بيمر مقدراً و * ( صراط ) * متضمن له فيتعلق به . وقال بعضهم : الإشارة إلى انقسامهم إلى قسمين أي ذلك الانقسام إلى غاو وغيره أمر مصيره إلى وليس ذلك لك ، والعرب تقول : طريقك في هذا الأمر على فلان على معنى إليه يصير النظر في أمرك ، وعن مجاهد . وقتادة . إن هذا تهديد للعين كما تقول لغيرك افعل ما شئت فطريقك على أي لا تفوتني ، ومثله على ما قال الطبرسي قوله تعالى : * ( إن ربك لبالمرصاد ) * والمشارك على هذا إليه ما أقسم مع التأكيد عليه ، وأظهر هذه الأوجه على ما قيل هو الأول ، واختار في " البحر " كونها إلى الإخلاص ، وقيل : الأظهر أن الإشارة لما وقع في عبارة إبليس عليه اللعنة حيث قال : * ( لأقعدن لهم صراطك المستقيم ثم لآتينهم من بين أيديهم ومن خلفهم ) * الخ ، ولا أدري ما وجه كونه أظهر . وقرأ الضحاك . وإبراهيم ، وأبو رجاء . وابن سيرين . ومجاهد . وقتادة . وحميد . وأبو شرف مولى كندة . ويعقوب ، وخلق كثير * ( على مستقيم ) * برفع * ( علي ) * وتنوينه أي عال لارتفاع شأنه . * ( إِنَّ عِبَادِى لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلاَّ مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ ) * . * ( إنَّ عبَادي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ) * أي تسلط وتصرف بالاغواء والمراد بالعباد المشار إليهم بالمخلصين فالإضافة للعهد ، والاستثناء على هذا في قوله تعالى : * ( إلاَّ مَن اتَّبَعَكَ مِنَ الغَاوينَ ) * منقطع واختار ذلك غير واحد ، واستدل عليه بسقوط الاستثناء في الإسراء ، وجوز أن يكون المراد بالعباد العموم والاستثناء متصل والكلام كالتقرير لقوله : * ( ألا عبادك منهم المخلصين ) * ولذا لم يعطف على ما قبله ، وتغيير الوضع لتعظيم المخلصين بجعلهم هم الباقين بعد الاستثناء . وفي الآية دليل لمن جوز استثناء الأكثر وإلى ذلك ذهب أبو عبيد . والسيرافي . وأكثر الكوفية ، واختاره ابن خروف . والشلوبين . وابن مالك ، وأجاز هؤلاء أيضاً استثناء النصف ، وذهب بعض البصرية إلى أنه لا يجوز كون المستثنى قدر نصف المستثنى منه أو أكثر ويتعين كونه أقل من النصف واختاره ابن عصفور . والآمدي وإليه ذهب أبو بكر الباقلاني من الأصوليين ، وذهب البعض الآخر من علماء البلدين إلى أنه يجوز أن يكون المخرج النصف لما دونه ولا يجوز أن يكون أكثر وإليه ذهب الحنابلة ، واتفق النحويون كما قال أبو حيان وكذا الأصوليون عند الإمام . والآمدي خلافاً لما اقتضاه نقل القرافي عن المدخل لابن طلحة على أنه لا يجوز أن يكون المستثنى مستغرقاً للمستثنى منه ، ومن الغريب نقل ابن مالك عن الفراء وجواز له على الف إلا ألفين ، وقيل : إن كان المستثنى منه عدداً صريحاً يمتنع فيه النصف والأكثر وإن كان غير صريح لا يمتنعان ، وتحقيق هذه المسألة في الأصول ، والمذكور في بعض كتب العربية عن أبي حيان أه قال : المستقرأ من كلام العرب إنما هو استثناء الأقل وجميع ما استدل به على خلافه محتمل التأويل ؛ وأنت تعلم أن الآية تدفع مع ما تقدم