الآلوسي
249
تفسير الآلوسي
* ( ثُمَّ إِنَّ رَبَّكَ لِلَّذِينَ عَمِلُواْ السُّوءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ تَابُواْ مِن بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُواْ إِنَّ رَبَّكَ مِن بَعْدِهَا لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ) * . * ( ثُمَّ إنَّ رَبَّكَ للَّذينَ عَملُوا السُّوءَ ) * هو ما يسئ صاحبه من كفر أو معصية ويدخل فيه الافتراء على الله تعالى ، وعن ابن عباس أنه الشرك ، والتعميم أولى * ( بجَهَالَة ) * أي بسببها ، على معنى أن الجهالة السبب الحامل لهم على العمل كالغيرة الجاهلية الحاملة على القتل وغير ذلك ، وفسرت الجهالة بالأمر الذي لا يليق ، وقال ابن عطية : هي هنا تعدى الطور وركوب الرأس لا ضد العلم ، ومنه ما جاء في الخبر " اللهم أعوذ بك من أن أجهل أو يجهل على " وقول الشاعر : ألا لا يجهلن أحد علينا * فنجهل فوق جهل الجاهلينا نعم كثيراً ما تصحب هذه الجهالة التي هي بمعنى ضد العلم ، وفسرها بعضهم بذلك وجعل الباء للملابسة والجار والمجرور في موضع الحال أي ملتبسين بجهالة غير عارفين بالله تعالى وبعقابه أو غير متدبرين في العواقب لغلبة الشهوة عليهم * ( ثُمَّ تَابُوا منْ بَعْد ذَلكَ ) * أي من بعد ما عملوا ما عملوا ، والتصريح به مع دلالة * ( ثم ) * عليه للتوكيد والمبالغة * ( وَأَصْلَحُوا ) * أي أصلحوا أعمالهم أو دخلوا في الصلاح ، وفسر بعضهم الإصلاح بالاستقامة على التوبة * ( إنَّ رَبَّكَ منْ بَعْدهَا ) * أي التوبة كما قال غير واحد ، ولعل الإصلاح مندرج في التوبة وتكميل لها . وقال أبو حيان : الضمير عائد على المصادر المفهومة من الأفعال السابقة أي من بعد عمل السوء والتوبة والإصلاح ، وقيل : يعود على الجهالة ، وقيل : على السوء على معنى المعصية وليس بذاك * ( لَغَفُورٌ ) * لذلك السوء * ( رَّحيمٌ ) * يثيب على طاعته سبحانه فعلاً وتركاً ، وتكرير * ( إن ربك ) * لتأكيد الوعد وإظهار كمال العناية بإنجازه ، والتعرض لوصف الربوبية من المغفرة والرحمة عليهم بتوسطه صلى الله عليه وسلم وكونهم من أتباعه كما مر عنق ريب ، والتقييد بالجهالة قيل : لبيان الواقع لأن كل من يعمل السوء لا يعمله إلا بجهالة . وقال العسكري : ليس المعنى أنه تعالى يغفر لمن يعمل السوء بجهالة ولا يغفر لمن عمله بغير جهالة بل المراد أن جميع من تاب فهذه سبيله ، وإنما خص من يعمل السوء بجهالة لأن أكثر من يأتي الذنوب يأتيها بقلة فكر في عاقبة الأمر أو عند غلبة الشهوة أو في جهالة الشباب فذكر الأكثر على عادة العرب في مثل ذلك ، وعلى القولين لا مفهوم للقيد . * ( إِنَّ إِبْرَاهِيمَ كَانَ أُمَّةً قَانِتًا لِلَّهِ حَنِيفًا وَلَمْ يَكُ مِنَ الْمُشْرِكِينَ ) * . * ( إنَّ إبْرَاهيمَ كَانَ أُمَّةً ) * قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما : أي كان عنده عليه السلام من الخير ما كان عند أمة وهي الجماعة الكثيرة ، فإطلاقها عليه عليه السلام لاستجماعه كمالات لا تكاد توجد إلا متفرقة في أمة جمة . وليس على الله بمستنكر * أن يجمع العالم في واحد وهو صلى الله عليه وسلم رئيس الموحدين وقدوة المحققين الذي نصب أدلة التوحيد ورفع أعلامها وخفض رايات الشرك وجزم ببواتر الحجج هامها ، وقال مجاهد : سمي عليه السلام أمة لانفراده بالإيمان في وقته مدة ما ، وفي " صحيح البخاري " أنه عليه السلام قال لسارة : ليس على الأرض اليوم مؤمن غيري وغيرك ، وذكر في " القاموس " أن من معاني الأمة من هو على الحق مخالف لسائر الأديان ، والظاهر أنه مجاز بجعله كأنه جميع ذلك العصر لأن الكفرة بمنزلة العدم ، وقيل : الأمة هنا فعلة بمعنى مفعول كالرحلة بمعنى