الآلوسي
224
تفسير الآلوسي
ولا عموم في الثاني لأن قوله تعالى : * ( فتزل ) * الخ إشارة إلى العلة السابقة إجمالاً على أنه قد يقال : إن الخاص مذكور في ضمن العام أيضاً فلا محيص عن التكرار أيضاً ولو سلم ما ذكره فتأمل ، ونصب - تزل - بأن مضمرة في جواب النهي لبيان ما يترتب عليه ويقتضيه ، قال في " البحر " وهو استعارة للوقوع في أمر عظيم لأن القدم إذا زلت انقلبت الإنسان من حال خير إلى حال شر ، وتوحيد القدم وتنكيرها - كما قال الزمخشري - للإيذان بأن زلل قدم واحدة أي قدم كانت عزت أو هانت محذور عظيم فكيف بأقدام ، وقال أبو حيان : إن الجمع تارة يلحظ فيه المجموع من حيث هو مجموع وتارة يلحظ فيه كل فرد فرد وفي الأول يكون الإسناد معتبراً فيه الجمعية وفي الثاني يكون الإسناد مطابقاً للفظ الجمع كثيراً فيجمع ما أسند إليه ومطابقاً لكل فرد فيفرد كقوله تعالى : * ( واعتدت لهن متكأ ) * فأفرد المتكأ لما لوحظ في * ( لهن ) * كل واحدة منهن ولو جاء مراداً به الجمعية أو على الكثير في الوجه الثاني لجمع وعلى هذا ينبغي أن يحمل قوله : فإني وجدت الضامرين متاعهم * يموت ويفنى فارضخي من وعائيا أي كل ضامر ، ولذا أفرد الضمير في يموت ويفنى ، ولما كان المعنى هنا لا يتخذ كل واحد منكم جاء * ( فتزل قدم ) * مراعاة لهذا المعنى ، ثم قال سبحانه : * ( وَتَذُوقُوا السُّوءَ ) * مراعاة للمجموع أو للفظ الجمع على الوجه الكثير إذ قلنا : إن الإسناد لكل فرد فرد فتكون الآية قد تعرضت للنهي عن اتخاذ الأيمان دخلاً باعتبار المجموع وباعتبار كل فرد ودل على ذلك بإفراد * ( قدم ) * وجمع الضمير في * ( وتذوقوا ) * . وتعقب بأن ما ذكره الزمخشري نكتة سرية وهذا توجيه للأفراد من جهة العربية فلا ينافي النكتة المذكورة ، والمراد من السوء العذاب الدنيوي من القتل والأسر والنهب والجلاء غير ذلك مما يسوء ولا يخفى ما في * ( تذوقوا ) * من الاستعارة * ( بمَا صَدَدْتُمْ ) * بسبب صدودكم وإعراضكم أو صد غيركم ومنعه * ( عَنْ سَبيل الله ) * الذي ينتظم الوفاء بالعهود والأيمان فإن من نقض البيعة وارتد جعل ذلك سنة لغيره يتبعه فيها من بعده من أهل الشقاء والإعراض عن الحق فيكون صاداً عن السبيل . وجعل ذا بعضهم دليلاً أن الآية فيمن بايع رسول الله صلى الله عليه وسلم وهو كما ترى * ( وَلَكُمْ في الآخرة * ( عَذَابٌ عَظيمٌ ) * لا يعلم عظمه إلا الله تعالى . * ( وَلاَ تَشْتَرُواْ بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّمَا عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَّكُمْ إِن كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * . * ( وَلاَ تَشْتَرُوا بعَهْد الله ) * المراد به عند كثير بيعة رسول الله صلى الله عليه وسلم على الايمان والاشتراء مجاز عن الاستبدال لمكان قوله تعالى : * ( ثَمَناً قليلاً ) * فإن الثمن مشترى لا مشترى به أي لا تأخذوا بمقابلة عهده تعالى عوضاً يسيراً من الدنيا ، قال الزمخشري : كان قوم ممن أسلم بمكة زين لهم الشيطان لجزعهم مما رأوا من غلبة قريش واستضعافهم المسلمين وإيذائهم لهم ولما كانوا يعدونهم من المواعيد إن رجعوا أن ينقضوا ما بايعوا عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم فثبتهم الله تعالى بهذه الآية ونهاهم عن أن يستبدلوا ذلك بما وعدوهم به من عرض الدنيا ، وقال ابن عظية : هذا نهي عن الرشا وأخذ الأموال على ترك ما يجب على الآخذ فعله أو فعل ما يجب عليه تركه ، فالمراد بعهد الله تعالى ما يعم ما تقدم وغيره ولا يخفى حسنه * ( إنَّمَا عنْدَ الله ) * أي ما أخبأه وادخره لكم في الدنيا والآخرة * ( هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ ) * من ذلك الثمن القليل * ( إنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ ) * أي إن كنتم من أهل العلم والتمييز ، فالفعل منزل منزلة اللازم ، وقيل : متعد والمفعول محذوف وهو فضل ما بين العوضين والأول أبلغ ومستغن عن التقدير ، وفي التعبير