الآلوسي

190

تفسير الآلوسي

موضع الضمير للإيذان بأن المراد جعل لكم منكم من زوجه لا من زوج غيره * ( بَنينَ ) * وبأن نتيجة الأزواج هو التوالد * ( وَحَفَدَةً ) * جمع حافد ككاتب وكتبة ، وهو من قولهم : حفد يحفد حفداً وحفوداً وحفداناً إذا أسرع في الخدمة والطاعة ، وفي الحديث " إليك نسعى ونحفد " وقال جميل : حفد الولائد حولهن وأسلمت * بأكفهن أزمة الأجمال وقد ورد الفعل لازماً ومتعدياً كقوله : يحفدون الضيف في أبياتهم * كرماً ذلك منهم غير ذل وجاء في لغة - كما قال أبو عبيدة - أحفد أحفاداً ، وقيل : الحفد سرعة القطع ، وقيل : مقاربة الخطو ، والمراد بالحفدة على ما روي عن الحسن . والأزهري وجاء في رواية عن ابن عباس واختاره ابن العربي أولاد الأولاد ، وكونهم من الأزواج حينئذٍ بالواسطة ، وقيل : البنات عبر عنهن بذلك إيذاناً بوجه المنة فإنهن في الغالب يخدمن في البيوت أتم خدمة ، وقيل : البنون والعطف لاختلاف الوصفين البنوة والخدمة ، وهو منزل منزلة تغاير الذات ، وقد مر نظيره فيكون ذلك امتناناً بإعطاء الجامع لهذه الوصفين الجليلين فكأنه قيل : وجعل لكم منهن أولاداً هم بنون وهم حافدون أي جامعون بين هذين الأمرين ، ويقرب منه ما روي عن ابن عباس من أن البنين صغار الأولاد والحفدة كبارهم ، وكذا ما نقل عن مقاتل من العكس ، وكأن ابن عباس نظر إلى أن الكبار أقوى على الخدمة ومقاتل نظر إلى أن الصغار أقرب للانقياد لها وامتثال الأمر بها واعتبر الحفد بمعنى مقاربة الخط ، وقيل : أولاد المرأة من الزوج الأول ، وأخرجه ابن جرير . وابن أبي حاتم عن ابن عباس . وأخرج الطبراني . والبيهقي في سننه . والبخاري في تاريخه . والحاكم وصححه عن ابن مسعود أنهم الأختان وأريد بهم - على ما قيل - أزواج البنات ويقال لهم أصهار ، وأنشدوا : فلو أن نفسي طاوعتني لأصبحت * لها حفد مما يعد كثير ولكنها نفس على أبية * عيوني لأصهار اللئام تدور والنصب على هذا بفعل مقدر أي وجعل لكم حفدة لا بالعطف على * ( بنين ) * لأن القيد إذا تقدم يعلق بالمتعاطفين وأزواج البنات ليسوا من الأزواج . وضعف بأنه لا قرينة على تقدير خلاف الظاهر وفيه دغدغة لا تخفى . وقيل : لا مانع من العطف بأن يراد بالأختان أقارب المرأة كأبيها وأخيها لا أزواج البنات فإن إطلاق الأختان عليه إنما هو عند العامة وأما عند العرب فلا كما في " الصحاح " ، وتجعل * ( من ) * سببية ولا شك أن الأزواج سبب لجعل الحفدة بهذا المعنى وهو كما ترى . وتعقب تفسيره بالأختان والربائب بأن السياق للامتنان ولا يمتن بذلك . وأجيب بأن الامتنان باعتبار الخدمة ولا يخفى أنه مصحح لا مرجح . وقيل : الحفدة هم الخدم والأعوان وهو المعنى المشهور له لغة . والنصب أيضاً بمقدر أي وجعل لكم خدماً يحفدون في مصالحكم ويعينونكم في أموركم . وقال ابن عطية بعد نقل عدة أقوال في المراد من ذلك : وهذه الأقوال مبنية على أن كل أحد جعل له من زوجته بنون وحفدة ولا يخفى أنه باعتبار الغالب ، ويحتمل أن يحمل قوله تعالى : " من أزواجكم " على العموم والاشتراك أي جعل من أزواج البشر البنين والحفدة ويستقيم على هذا إجراء الحفدة على مجراها في اللغة إذ