الآلوسي

127

تفسير الآلوسي

وفي ذلك زيادة في توبيخهم ليست في أين أصنامكم مثلاً لو قيل ، ولا يخفى أن هذا خزي وإهانة بالقول فإذا فسر الإخزاء فيما تقدم بالتعذيب بالنار كانت الآية مشيرة إلى خزيين فعلي وقولي ، وأشير إلى الأول أولاً لأنه أنسب بسابقة . وقرأ الجمهور * ( شركائي ) * ممدوداً مهموزاً مفتوح الياء ، وفرقة كذلك إلا أنهم سكنوا الياء فتسقط في الدرج لالتقاء الساكنين ، والبزي عن ابن كثير بخلاف عنه بالقصر وفتح الياء ، وأنكر ذلك جماعة وزعموا أن هذه القراءة غير مأخوذ لأن قصر الممدود لا يجوز إلا ضرورة ، وليس كما قالوا فإنه يجوز في السعة ، وقد وجه أيضاً بأن الهمزة المكسورة قبل الياء حذفت للتخفيف وليس كقصر الممدود مطلقاً ، مع أنه قد روي عن ابن كثير قصر التي في القصص و * ( ورائي ) * في مريم ، وعن قنبل قصر * ( أن رآه استغنى ) * ( العلق : 7 ) في العلق فكيف يعد ذلك ضرورة . نعم قال أبو حيان : إن وقوعه في الكلام قليل فاعرف ذلك فقد غفل عنه كثير من الناس . * ( الَّذينَ كُنْتُمْ تُشَاقُّونَ فيهمْ ) * أي تخاصمون وتنازعون الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم في شأنهم وتزعمون أنهم رشركاء حقاً حين بينوا لكم ضد ذلك ، وفسر بعضهم المشاقة بالمعاداة ، وتفسيرها بالمخاصمة ليظهر تعلق * ( فيهم ) * به ولا يحتاج إلى جعل في للسببية أولى ، وقيل : للمخاصمة مشاقة أخذاً من شق العصا أو لكون كل من المتخاصمين في شق ؛ والمراد بالاستفهام استحضارها للشفاعة على طريق الاستهزاء والتبكيت ، فإنهم كانوا يقولون : إن صح ما تقولون فالأصنام تشفع لنا ، والاستفسار عن مكانتهم لا يوجب غيبتهم حقيقة بل يكفي في ذلك عدم حضورهم بالعنوان الذي كانوا يزعمون أنهم متصفون به فليس هناك شركاء ولا أماكنها . وقيل : إن ذلك يوجب الغيبة ، ويقال : إنه يحال بينهم وبين شركائهم حينئذٍ ليتفقدوهم في ساعة علقوا الرجاء بها فيهم أو أنهم لما لم ينفعوهم فكأنهم غيب . ولا يحتاج إلى هذا بعدما علمت على أنه أورد على قوله . ليتفقدوهم إلى آخره أنه ليس بسديد ، فإنه قد تبين للمشكرين حقيقة الأمر فرجعوا عن ذلك الزعم الباطل فكيف يتصور منهم التفقد . وأجيب بأنه يجوز أن يغفلوا لعظم الهول عن ذلك فيتفقدوهم ، ثم إن ما ذكر يقتضي حشر الأصنام وهو الذي يدل عليه كثير من الآيات كقوله تعالى : * ( إنكم وما تعبدون من دون الله حصب جهنم ) * ( الأنبياء : 98 ) وقوله سبحانه : * ( وقودها الناس والحجارة ) * ( البقرة : 24 ) على قول ، ولا أرى مانعاً من حمل الشركاء على معبوداتهم الباطلة بحيث تشمل ذوي العقول أيضاً . وقرأ الجمهور * ( تشاقون ) * بفتح النون ، ونافع بكسرها ورويت عن الحسن ، ولا يلتفت إلى تضعيف أبي حاتم . وقرأت فرقة بتشديدها على أنه أدغم نون الرفع في نون الوقاية . والكسر على حذف ياء المتكلم والاكتفاء به أي تشاقونني . على أن مشاقة الأنبياء عليهم السلام وأتباعهم كمشاقة الله تعالى شأنه ولولا ذلك لم يصح تعليق المشاقة به سبحانه . أما إذا كانت بمعنى المخاصمة فظاهر أنهم لم يخاصموا الله تعالى ، وأما إذا كانت بمعنى العداوة فلأنهم لا يعتقدون أنهم أعداء لله تعالى : وأما قوله تعالى : * ( لا تتخذوا عدوي وعدوكم أولياء ) * يعني المشركين فمؤول أيضاً بغير شبهة * ( قَالَ الَّذينَ أُوتُوا العلْمَ ) * من أهل الموقف وهم الأنبياء عليهم السلام والمؤمنون الذين أوتوا علماً بدلائل التوحيد وكانوا يدعونهم في الدنيا إلى التوحيد فيجادلونهم ويتكبرون عليهم ، واقتصر يحيى بن سلام على المؤمنين والأمر فيه سهل . وعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهم أنهم الملائكة عليهم السلام . ولم نقف على تقييده إياهم . وعن مقاتل أنهم الحفظة منهم . ويشعر كلام بعضهم بأنهم ملائكة