الآلوسي
106
تفسير الآلوسي
وأما قبل شجر أي ومنه شراب شجر كقوله تعالى : * ( وأشربوا في قلوبهم العجل ) * أي حبه اه وهو بعيد وإن قيل : الإضمار أولى من المجاز لا العكس الذي ذهب إليه البعض وصحح المساواة لاحتياج كل منهما إلى قرينة . * ( فيه تُسيمُونَ ) * أي ترعون يقال : أسام الماشية وسومها جعلها ترعى وسامت بنفسها فهي سائمة وسوام رعت حيث شاءت ، وأصل ذلك على ما قال الزجاج السومة وهي كالسمة العلامة لأن المواشي تؤثر علامات في الأرض والأماكن التي ترعاها . وقرأ زيد بن علي رضي الله تعالى عنهما * ( تسيمون ) * بفتح التاء فإن سمع سام متعدياً كان هو وأسام بمعنى وإلا فتأويل ذلك أن الكلام على حذف مضاف أي تسيم مواشيكم . * ( يُنبِتُ لَكُمْ بِهِ الزَّرْعَ والزَّيْتُونَ والنَّخِيلَ والأَعْنَابوَمِن كُلِّ الثَّمَرَاتِ إِنَّ فِى ذَلِكَ لآيَةً لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ ) * . * ( يُنْبتُ ) * أي الله عز وجل يقال نبت الشيء وأنبته الله تعالى فهو منبوت وقياس هذا منبت ، وقيل : يقال أنبت الشجر لازماً وأنشد الفراء : رأيت ذوي الحاجات حول بيوتهم * قطيناً بها حتى إذا أنبت البقل أي نبت ، وكان الأصمعي ينكر مجىء أنبت بمعنى نبت . وقرأ أبو بكر * ( ننبت ) * بنون العظمة ، والزهري * ( ينبت ) * بالتشديد وهو للتكثير في قول ، واستظهر أبو حيان أنه تضعيف التعدية . وقرأ أبي * ( ينبت ) * بفتح الياء ورفع المتعاطفات بعد على الفاعلية ، وجملة ينبت * ( لَكُمْ به ) * أي بما أنزل من السماء * ( الزَّرْعَ وَالزَّيْتُونَ وَالنَّخيلَ وَالأَعْنَابَ ) * يحتمل أن تكون صفة أخرى - لماء - وأن تكون مستأنفة استئنافاً بيانياً كأنه قيل : وهل له منافع أخر ؟ فقيل : ينبت لكم به الخ ، وإيثار صيغة الاستقبال للدلالة على التجدد والاستمرار وأن الإنبات سنته سبحانه الجارية على ممر الدهور أو لاستحضار الصورة لما فيها من الغرابة ، وتقديم الظرفين على المفعول الصريح لما أشرنا إليه آنفاً مع ما في تقديم أولهما من الاهتمام به لإدخال المسرة ابتداءً ، وتقديم الزرع على ما عداه قيل : لأنه أصل الأغذية وعمود المعاش وقوت أكثر العالم وفيه مناسبة للكلأ المرعي ، ثم الزيتون لما فيه من الشرف من حيث أنه أدام من وجه وفاكهة من وجه ، وقد ذكر الأطباء له منافع جمة ، وذكر غير يسير منها في التذكرة ، والظاهر من كلام اللغويين أنه اسم جنس جمعي واحده زيتونة وأنه يطلق على الشجر المخصوص وعلى ثمرته . واستظهر أن المراد به هنا الأول وسيأتي قريباً إن شاء الله تعالى تمام الكلام في ذلك ، وأكثر ما ينبت في المواضع التي زاد عرضها على الميل واشتد بردها وكانت جبلية ذات تربة بيضاء أو حمراء ، ثم النخيل على الأعناب لظهور دوامها بالنسبة إليها فإن الواحدة منها كثيراً ما تتجاوز مائة سنة وشجرة العنب ليست كذلك ، نعم الزيتون أكثر دواماً منهما فإن الشجرة منه قد تدوم ألف سنة مع أن ثمرتها كثيراً ما يقتات بها حتى جاء في الخبر " ما جاع بيت وفيه تمر " وأكثر ما تنبت في البلاد الحارة اليابسة التي يغلب عليها الرمل كالمدينة المشرفة والعراق وأطراف مصر ، وهي على ما قال الراغب جمع نخل وهو يطلق على الواحد والجمع ويقال للواحدة نخلة ، وأما الأعناب فجمع عنبة بكسر العين وفتح النون والباء وقد جاءت ألفاظ مفردة على هذا الوزن غير قليلة . وقد ذكر في " القاموس " عدة منها ، ونسب الجوهري إلى قلة الاطلاع في قوله : إن هذا البناء في الواحد نادر وجاء منه العنبة والتولة والحبرة والطيبة والخيرة ولا أعرف غير ذلك ، وذكر الجوهري أنه إن أردت جمعه في أدنى العدد جمعته بالتاء وقلت عنبات وفي الكثير عنب وأعناب اه ، ولينظر هذا مع عدهم أفعالاً من جموع القلة ، ويطلق العنب كما قال الراغب على ثمرة الكرم وعلى الكرم نفسه ، والظاهر أن المراد هو الثاني .