أحمد بن علي القلقشندي

450

صبح الأعشى في صناعة الإنشا

فيه ، ومرغوب عنه ، ومتوسّط بين ذلك . على أنه قلّ أن ينفق تأليف في حياة مؤلَّفه ، أو يروج تصنيف على القرب من زمان مصنّفه . قال المسعوديّ في كتابه « التّنبيه والإشراف » وقد تشترك الخواطر ، وتتّفق الضمائر ، وربّما كان الآخر أحسن تأليفا ، وأمتن تصنيفا ، لحكمة التّجارب ، وخشية التّتبّع ، والاحتراس من موانع المضارّ . ومن هاهنا صارت العلوم نامية ، غير متناهية ، لوجود الآخر ما لا يجده الأوّل ، وذلك إلى غير غاية محصورة ، ولا نهاية محدودة . على أنّ من شيم كثير من الناس إطراء المتقدّمين ، وتعظيم كتب السّالفين ، ومدح الماضي ، وذمّ الباقي ؛ وإن كان في كتب المحدثين ما هو أعظم فائدة ، وأكثر عائدة . ثم حكى عن الجاحظ - على جلالة قدره - أنه قال : كنت أؤلَّف الكتاب الكثير المعاني ، الحسن النّظم ، وأنسبه إلى نفسي ، فلا أرى الأسماع تصغي إليه ، ولا الإرادات تتيمّم نحوه ، ثم أؤلَّف ما هو أنقص منه رتبة ، وأقل فائدة ، وأنحله عبد اللَّه بن المقفّع ، أو سهل بن هارون ، أو غيرهما من المتقدّمين ، ممّن صارت أسماؤهم في المصنّفين ، فيقبلون على كتبها ، ويسارعون إلى نسخها ، لا لشيء إلا لنسبتها للمتقدّمين ، ولما يداخل أهل هذا العصر من حسد من هو في عصرهم ، ومنافسته على المناقب التي عني بتشييدها . قال : وهذه طائفة لا يعبأ بها كبار الناس ، وإنّما العمل على أهل النّظر والتّأمّل الذين أعطوا كلّ شيء حقّه من القول ، ووفّوه قسطه من الحقّ ، فلم يرفعوا المتقدّم إذا كان ناقصا ، ولم ينقصوا المتأخّر إذا كان زائدا ؛ فلمثل هؤلاء تصنّف العلوم ، وتدوّن الكتب . وإذا كان هذا نقل المسعوديّ عن الجاحظ الذي هو رأس المصنّفين ، وعين أعيانهم ، فما ظنّك بغيره ؟ . لكنّي أحمد اللَّه تعالى على رواج سوق تأليفي ، ونفاق سلعته ، والمسارعة إلى استكتابه قبل انقضاء تأليفه ، حتّى إنّ قلمي التّأليف والنّسخ